التغـ ـيير الديمغرافي والتوتـ ـر الطـ ـائفي في سوريا الجديدة.. استراتيجيات الهيـ ـمنة وتفكـ ـيك الهوية
التوتر الطائفي والقتل على الهوية.. نماذج السومرية وحمص

شهد سوريا، بعد سيـ ـطرة الحكومة الجديدة التي تهـ ـيمن عليها هـ ـيئة تحـ ـرير الشام، تحولاً استراتيجياً في أدوات الصـ ـراع؛ حيث انتقل التركيز من المعـ ـارك العسـ ـكرية المباشرة إلى الهندسة الاجتماعية والديمغرافية للمناطق الحضرية الرئيسية. ويزداد القـ ـلق الشعبي من أن استمرار هذا التغـ ـيير الديمغرافي، خصوصاً في مناطق حساسة مثل السومرية وركن الدين في دمشق، وبعض أحياء حمص، إضافة إلى مدينة عفرين في الشمال السوري، ويهدف إلى تثبيت حقائق جديدة على الأرض تهـ ـدد بتأجـ ـيج الاحتـ ـقان الطـ ـائفي أو العـ ـرقي. وتتصـ ـاعد المخـ ـاوف من أن تُسهم هذه التحولات في فتح الباب أمام ظـ ـواهر خطـ ـيرة، مثل الاستهـ ـداف على الهوية، خاصة في حال تدهـ ـور الوضـ ـع الأمـ ـني أكثر، مما يضع مستقبل السلم الأهلي في البلاد على المحـ ـك.
ويحلل هذا التقرير استراتيجيات التغيير الديمغرافي ودور القوى الإقليمية فيها، مع التركيز على نماذج دمشق والشمال.
استراتيجية التغيير الديمغرافي.. من الحدود إلى قلب دمشق
ولم يعد التغيير الديمغرافي مجرد نتيجة عارضة للحرب، بل تحوّل إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد، تديره قوى إقليمية لضمان النفوذ المستقبلي في سوريا.
عفرين ورأس العين وتل أبيض: التغيير الديمغرافي الفج كأولوية تركية
وبدأت تركيا مشروعها هذا في المناطق ذات الأغلبية الكوردية، حيث شكّلت عفرين المثال الأبرز. فبعد السيطرة عليها عام 2018، جرى تفريغ مئات القرى من أهلها الأصليين (الكورد)، وتسكين عائلات موالية لتركيا أو لعناصر الفصائل السورية التابعة لها.
وفي تل أبيض ورأس العين، تكررت العملية بصورة أكثر وضوحاً، إذ تحولت هذه المدن خلال سنوات قليلة إلى منطقة هجينة سكانياً، تحكمها فصائل مرتبطة بالاستخبارات التركية وتفرض رؤيتها على السكان عبر سلاح الأمن والاقتصاد معاً.
وتدرك أنقرة أن السيطرة على الخارطة السكانية تتيح لها التأثير على القرار المحلي وتثبيت نفوذ طويل الأمد، سواء بقيت قواتها في سوريا أم انسحبت لاحقاً تحت أي اتفاق سياسي، مما يمثل تهديداً واضحاً للنسيج السوري المتنوع.
ركن الدين بدمشق: نموذج الاختراق الاستخباراتي الصامت
اللافت أن هذه الاستراتيجية امتدت تدريجياً نحو الداخل السوري، وصولاً إلى ركن الدين، الحي الدمشقي المعروف بجذوره الكوردية العميقة. هناك لا توجد دبابات تركية، لكن النموذج هو نفسه، مع فارق أن الأدوات أكثر نعومة ودهشة، وأكثر اعتماداً على الاختراق الاجتماعي والسيطرة غير المرئية.
فبعد صعود الحكومة الجديدة في دمشق، تشكّل في حي ركن الدين فصيل يُعرف باسم “ثوار حي الأكراد”. في ظاهره هو فصيل محلي، لكن الواقع يكشف شبكة معقدة ترتبط مباشرة بالاستخبارات التركية (MİT) وجماعة الإخوان المسلمين، وتعمل بتنسيق مع هيئة تحرير الشام.
أول خطوة اتخذها الفصيل كانت وقف عمل جميع المؤسسات الخدمية— اللجان، المكاتب، المجلس البلدي — ثم تشكيل مجلس جديد بالكامل، موالٍ له. هذا النمط التركي المتكرر يهدف إلى تعطيل الإدارة القائمة، ثم بناء إدارة جديدة تدين بالولاء لتركيا لا للمجتمع المحلي. تحت قيادة جومرد وانلي (الذي كان من أنصار حزب البعث) وبتنسيق مباشر مع شخص يُدعى سنان آل رشي (الذي كان يدير “صالة عمار” زمن الأسد)، وقد قُسم الحي إلى أربعة قطاعات تُدار عبر لجان مدعومة أمنياً وتمويلياً من أنقرة. وللمجلس أربع لجان رئيسية هي: لجنة حي أسد الدين برئاسة عبد الرحمن شيخو ونائبه شير مهراب؛ ولجنة الشرقية برئاسة محمد جمال شمدين ونائبه فتحي بيرم؛ ولجنة ساحة شمدين والحي الجديد برئاسة محمد موصلي ونائبه محمد عباسي؛ ولجنة الشيخ خالد النقشبندي برئاسة خالد خوجة ونائبه رضوان ثابت.
تصفية الهوية الكوردية بسلاح الإحصاء والبيانات
أخطر ما في هذه اللجان ليس دورها الخدمي، بل وظيفتها الحقيقية التي تتمثل في جمع البيانات، هندسة الرأي العام، وتفكيك الهوية الكوردية التاريخية لركن الدين.
الإحصاء السري كسلاح سياسي:
وشكّلت اللجان الجديدة مجموعات متخصصة لـ التموين والإحصاء، بتمويل وتوجيه تركي واضح. الهدف الرسمي منها هو تنظيم توزيع المؤن، ولكن الهدف الفعلي مختلف تماماً ويتمثل في إعداد إحصاء سكاني سري يُخفي نسبة الكورد في الحي، ويقدّم ركن الدين كمزيج من المكونات بنسبة لا تتجاوز فيها نسبة الكورد 5%.
هذا التزوير الإحصائي هو أحد أكثر أسلحة تركيا فعالية؛ فالإحصاءات المزوّرة تُستخدم لاحقاً لتبرير السياسات الإدارية، وتغيير الخرائط الانتخابية، وتقليص التمثيل الكوردي، وتثبيت وجود عناصر موالية لأنقرة، وبالتالي يتم قتل الصوت الكوردي وإلغاء دوره في المناطق التي يتواجدون فيها. ولهذه الغاية، شُكّلت في داخل هذا الحي 4 لجان تنفيذية يقودها مظهر دقوري (المدير)، رياض وانلي، ناصر بارافي، وسليمان ميقري، وهم من أنصار الإخوان المسلمين، ويعملون على جمع المعلومات عبر المخاتير، مثل: المختار أحمد سامو، المختار أحمد أيزوني، المختار صلاح الدين وانلي، والمختار فتحي بيرم.
الاختراق عبر شبكات الولاء الاستخباراتية:
وتعتمد تركيا في اختراقها على شبكة عملاء مرتبطين مباشرة باستخباراتها وهيئة تحرير الشام. ويبرز أحمد أكزبلي، التركماني الأصل، كعنصر اتصال مباشر بـ الاستخبارات التركية، ويسافر إلى تركيا كل شهرين لتلقي التوجيهات والدعم المادي. وله ذراع يميني هو محمد ديركي، الذي نُقل من مناطق النفوذ التركي، كما أن صلاح سوركي، مدير المركز الثقافي، يعمل كعنصر مراقبة للفعاليات وهو مرتبط مباشرة بالاستخبارات التركية المتواجدة في فندق فورسيزون. إن هذا الاختراق يهدف إلى كسب فئات من المجتمع السوري عبر استغلال وضعهم الاقتصادي السيئ وتقديم الدعم المادي لهم، مع توظيف عناصر كـ معتز أبو مرق (أمين حي ركن الدين والقادم من إدلب وعفرين) لفرض الولاء الإداري.
التوتر الطائفي والقتل على الهوية.. نماذج السومرية وحمص
بالتوازي مع الاختراق الهوياتي في ركن الدين، تتصاعد وتيرة التوتر الطائفي والاستهداف على الهوية في مناطق أخرى تحت ظل الحكومة الجديدة، مما يزيد من القلق الشعبي العام.
السومرية: التغيير الديمغرافي على أساس طائفي
وتشهد مدينة دمشق تغيّراً اجتماعياً صامتاً، ويُعد حي السومرية نموذجاً صارخاً لذلك. المداهمات التي جرت في الفترة 27-29 آب 2025، بذريعة “إثبات الملكية”، قادتها عناصر أمنية يقودها مسؤول يُعرف باسم “أبو حذيفة”. وقد ترافقت المداهمات بـ احتجاز وضرب مبرح لنحو 400 رجل وشاب، بالإضافة إلى إهانات ذات طابع طائفي. وحذّر مسلحون قاطني حي السومرية من الذهاب إلى حي المزة 86، مما يكشف عن خطط ممنهجة لإفراغ دمشق ومحيطها من العلويين.
الخبراء، مثل ميلون كوثاري المقرر الخاص للأمم المتحدة، وصفوا ما حدث في السومرية بأنه “سلسلة من الانتهاكات بدءاً من التهجير وصولاً إلى تشتت السكان”. إن الهدف هو تهيئة البيئة لتحويل دمشق إلى حاضنة اجتماعية موالية للحكومة القائمة، وتصعيد الاحتقان الطائفي.
مؤشرات القتل على الهوية والنزوح الصامت
الخطر الأكبر يكمن في تصاعد النزعة الطائفية والمناطقية التي قد تؤدي إلى الاستهداف على الهوية في حال تدهور الوضع الأمني. وتؤكد مصادر أن دمشق تشهد عملية نزوح كبيرة وصامتة، خاصة في مناطق مثل عش الورور في برزة البلد، التي أصبحت اليوم ذات أغلبية من أهالي دير الزور وإدلب، بدعم مالي من المغتربين لشراء العقارات بكثافة.
هذه التحولات السكانية تترافق مع تغييرات في المؤسسات، مثل مديريات التربية التي شهدت ازدحاماً غير مسبوق للطلاب المنقولين من مناطق أخرى، مما يشير إلى توجيه الحركة السكانية نحو العاصمة. هذه التغييرات الاجتماعية والديمغرافية، مقرونة بالعنف الذي شهدته السومرية، تزيد من مخاوف الأقليات في أحياء مثل المزة 86 وجرمانا وصحنايا من أن تفتح هذه المخططات الباب أمام عمليات قتل على الهوية، تذكر بأسوأ مراحل الصراع السوري.
معركة على الهوية والسيادة الوطنية
إن ما يجري في ركن الدين والسومرية وعفرين ليس حوادث معزولة، بل هو جزء من مخطط واحد يتسع جغرافياً ويتعمق اجتماعياً، ويهدد بإلغاء التنوع السوري وتثبيت نفوذ قوى خارجية. إن تركيا، عبر أدواتها الاستخباراتية والاقتصادية، تسعى إلى تفكيك الهوية الوطنية السورية ووضع سوريا بأكملها تحت سيطرتها من النواحي الاجتماعية، والاستخباراتية، والعسكرية، والاقتصادية. وإذا لم يُكشف هذا المشروع بوضوح، وظلت هذه الأحياء مادة صامتة لتجارب دولية، فإن التغيير قد يصبح واقعاً جديداً لا يمكن التراجع عنه، مما يضع مستقبل المجتمع السوري وسلامته الأهلية في خطر جسيم.



