ملامح الانفتاح المحتمل في العلاقات الكوردية – التركية وانعكاساته الإقليمية

إدراك مشترك بأن الحل يمر عبر فتح قنوات تواصل ومعالجة ملفات إمرالي

تشهد العلاقات الكوردية – التركية منذ مطلع عام 2025 مؤشرات جديدة على إمكانية انطلاق مسار انفتاح سياسي وأمـ ـني يعيد طرح ملف التسوية بين الدولة التركية والحركة السياسية الكوردية، بعد سنوات طويلة من الانقطاع والتوتـ ـر والتصـ ـعيد العسـ ـكري. ورغم أن الطريق ما يزال محفوفاً بعقبات داخلية وإقليمية، فإن الخطوات المتتابعة التي برزت مؤخراً تمثّل تحولاً لافتاً يُعيد إلى الواجهة إمكان أنقرة في إعادة بناء سياسة جديدة تجاه المسألة الكوردية، لا سيما مع بروز رغبة لدى أطراف سياسية تركية وكوردية في تخفيض التوتـ ـر وفتح قنوات حوار جدي.

تحسّن تدريجي في الأوساط السياسية الكوردية – التركية

من الواضح أن الأجواء السياسية بين بعض مكوّنات الساحة الكوردية والقرار السياسي التركي تتجه نحو نوع من الهدوء النسبي مقارنة بالسنوات الماضية. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تصريحات ومواقف تكشف عن استعداداً متبادل لبحث مقاربات جديدة، خصوصاً بعد أن أصبح من الواضح لجميع الأطراف أنّ استمرار المواجهة المسلحة لم يعد ملائماً لحسابات تركيا الداخلية ولا للواقع الإقليمي المعقد.

وفي جوهر هذا التحسن، توجد قناعة مشتركة بأن التوتر المزمن بين الكورد وأنقرة بات يستنزف قدرات الطرفين ويؤثر سلباً على ملفات إقليمية أخرى تمتد من إقليم كوردستان العراق إلى شمال وشرق سوريا. كما أنّ تغيرات المشهد الدولي، والحاجة التركية إلى تهدئة بعض الجبهات الداخلية، جعلت فتح نافذة حوار مع الأطراف الكوردية خياراً أقل تكلفة من الاستمرار في الجمود.

وترافق ذلك أيضاً مع تحولات داخل الساحة السياسية التركية؛ إذ بدأت أحزاب متباينة – بعضها قومي، وبعضها يميل إلى تبني خطاب حقوقي – تتعامل مع الملف الكوردي كقضية يمكن نقاشها ضمن عملية سياسية، وإن بدرجات مختلفة من الحذر.

إدراك مشترك بأن الحل يمر عبر فتح قنوات تواصل ومعالجة ملفات إمرالي

من أهم ما يميز المرحلة الراهنة هو إقرار الأطراف المعنية بأن ملف إمرالي – حيث يُحتجز مؤسس حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان – يبقى محورياً لأي تصور حقيقي لتسوية مستدامة. ففي السنوات التي شهدت عملية السلام السابقة (2013–2015)، كان التواصل مع أوجلان العامل الأكثر تأثيراً في ضبط إيقاع المفاوضات وتهدئة الأرض. واليوم، ورغم حساسية هذا الملف في السياسة الداخلية التركية، فإن العودة إليه باتت تُناقش علناً من قبل أحزاب برلمانية ونخب سياسية.

وتؤكد مصادر متعددة أنّ الحكومة التركية تدرك أن تجاوز عقدة إمرالي شرط أساسي لفتح مسارات جديدة. كما أن الأوساط الكوردية ترى أن تجاهل أوجلان أو إبعاده عن المشهد يعقّد فرص أي حل، لأن الرجل ما زال يمتلك تأثيراً رمزياً وتنظيمياً كبيراً لدى شرائح واسعة من القاعدة الكوردية.

هذا الإدراك المشترك فتح الباب أمام مبادرات برلمانية وسياسية تتعلق بإعادة التواصل معه، وهو تطور لم يكن مطروحاً قبل عامين.

زيارة الوفد البرلماني إلى إمرالي… خطوة تمهيدية نحو بناء الثقة

ويُعدّ التحضير لزيارة وفد برلماني من ثلاثة نواب إلى سجن إمرالي إحدى أكثر الخطوات دلالة في هذا السياق. فالوفد يضم ممثلين عن: حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية شريكه القومي المتشدد، وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (HDK) المقرّب من الحركة الكوردية.

إن وجود ممثلين عن أحزاب قومية وأخرى مؤيدة لحقوق الكورد يشير إلى وجود تفاهم سياسي داخلي يسمح بتمرير الزيارة ضمن مناخ “تجربة تقارب” لا يرقى بعد إلى مبادرة رسمية شاملة للحل، لكنه يؤسس لمرحلة تواصل أولية.

وتتولى الاستخبارات التركية الإشراف على التحضيرات، بما في ذلك نقل الوفد عبر مروحية إلى الجزيرة، وتسجيل اللقاءات صوتاً وصورة – دون نشرها – ما يعكس رغبة في الحفاظ على سرية التفاصيل، وفي الوقت ذاته توثيقها لعرضها لاحقاً على اللجنة البرلمانية.

وسيرفع الوفد بعد عودته تقريراً إلى اللجنة البرلمانية المكوّنة من 51 عضواً من أعضاء الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان التركي، والتي تعمل على وضع إطار قانوني محتمل لإحياء عملية السلام. ومن المقرر لاحقاً أن تقدّم الأحزاب رؤيتها النهائية قبل الشروع في إعداد التقرير النهائي.

هذه التحركات، وإن كانت تجري بحذر، إلا أنها تمثّل أول زيارة برلمانية رسمية إلى أوجلان منذ سنوات طويلة، ما يعكس استعداداً لإعادة فتح الباب المغلق منذ انهيار مسار السلام السابق عام 2015.

التحولات داخل الأحزاب السياسية التركية وتأثيرها في المشهد

أحد الجوانب اللافتة في المشهد السياسي التركي هو موقف حزب الشعب الجمهوري (CHP)، الذي قاطع قرار التصويت على الزيارة لكنه لم يعلن معارضته للعملية نفسها. بل إن تصريحات زعيمه السابق كمال كيليجدار أوغلو جاءت لتؤكد أن الحزب – وإن كان متردداً – يدرك ضرورة المساهمة في أي مسار يخفف من التوترات الإقليمية ويحصّن تركيا من الضغوط الخارجية.

إشارة كيليجدار أوغلو إلى “وجوب النظر إلى القضية فوق السياسة الحزبية” تعكس أنّ الانفتاح على الملف الكوردي أصبح قضية لا يمكن تجاهلها في النقاش الوطني، خصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية والأمنية التي تعيشها تركيا.

وفي المقابل، يبدي حزب الحركة القومية – المعروف بمواقفه المتشددة – بعض المرونة من خلال موافقته على زيارة الوفد، وهو ما لم يكن ممكناً قبل سنوات. هذا لا يعني تغيراً في العقيدة القومية للحزب، لكنه يشير إلى استعداد تكتيكي لمجاراة سياسة جديدة قد تتبناها الحكومة.

أوجلان يؤكد أهمية السلام ويقدم رسائل إيجابية

وفي موازاة هذه التحركات، جاءت رسالة عبدالله أوجلان إلى مؤتمر جمعية أبحاث السلام في ألمانيا لتؤكد أهمية ترسيخ السلام والعدالة، ولتقدم رؤية تعتبر أن الشرق الأوسط يعيش لحظة تحول تاريخي تتطلب حلولاً سياسية بدل الصراع والإقصاء.

وركز أوجلان في رسالته على ضرورة سيادة القانون وترسيخ السياسة الديمقراطية وإنهاء الإجراءات التعسفية وأهمية التلاقي بين الهويات المختلفة وأن السلام “حالة توافق مجتمعي أساسها العدل والحرية”.

هذه الرسائل – رغم كونها عامة – تُقرأ ضمن سياق يشي بأن أوجلان مستعد للانخراط في أي مسار تفاوضي جديد، وأنه يريد أن يقدم نفسه كفاعل داعم للتسوية وليس طرفاً معرقلاً.

ومن المهم الإشارة إلى أنه في شباط من العام الجاري، وجّه أوجلان دعوة لحل حزب العمال الكردستاني وإلقاء السلاح، وهو ما التزمت به قيادة الحزب، إضافة إلى سحب قواته من بعض المناطق الحساسة مثل زاب. هذه التطورات قدّمَت للحكومة التركية حججاً جديدة لإعادة تقييم سياستها تجاه الحركة الكوردية، لا سيما أن الخطوات جاءت متزامنة مع تحولات إقليمية كالتقارب العربي – التركي، وعودة تركيا للعب دور توازن إقليمي.

انعكاسات الانفتاح المحتمل على شمال وشرق سوريا

إن أي انفراج بين أنقرة والأطراف الكوردية في تركيا سيحمل انعكاسات مباشرة على شمال وشرق سوريا، لعدة أسباب:

تخفيف التهديدات الأمنية والعسكرية:

أي تراجع في التوتر بين تركيا وحزب العمال الكردستاني سينعكس على تعامل أنقرة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحكم أن تركيا تعتبر قسد تابعة لحزب العمال الكردستاني رغم رفض الأول هذه الادعاءات مراراً وتكراراً. وقد يفتح ذلك باباً لتفاهمات أمنية تقلل من احتمالات المواجهة.

توسيع هامش المبادرات السياسية:

من شأن أي تقارب أن يمنح الإدارة الذاتية فسحة سياسية أوسع، وقد يفتح الباب أمام وساطات دولية لحل بعض القضايا العالقة مع دمشق.

تخفيف الضغط الإقليمي:

ولطالما اعتُبر الملف الكوردي – السوري امتداداً للملف التركي – الكوردي الداخلي. وبالتالي، فإن تهدئة هذا الأخير قد يساهم في صياغة ترتيبات أمنية أكثر استقراراً في المنطقة.

التأثير المحتمل على المشهد السوري العام

لا يقتصر تأثير هذا الانفتاح على شمال وشرق سوريا فقط، بل يمتد إلى الساحة السورية برمتها، فأي تسوية ولو جزئية في الملف الكوردي – التركي قد تقلل من العمليات الحدودية، ما ينعكس إيجاباً على الوضع الأمني.وكذلك فأن وجود مسار سياسي تركي – كوردي سيؤثر على حسابات الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تتعاملان مع الأطراف الكوردية كفاعل رئيسي في الشرق السوري.

إلى ذلك، فأن تحسن الظروف الإقليمية قد يساعد على تقوية مسارات الحوار بين القوى السورية المحلية، لا سيما تلك المرتبطة بالمعارضة الكوردية أو العربية في مناطق الإدارة الذاتية.

ورغم أن الطريق نحو تسوية حقيقية بين تركيا والأطراف الكوردية ما يزال طويلاً، فإن التطورات الأخيرة – من تشكيل لجنة برلمانية، إلى التحضير لزيارة إمرالي، إلى رسائل أوجلان الإيجابية – تشير إلى أننا أمام مرحلة مختلفة قد تعيد إحياء مسار السلام وإن بصيغة جديدة مختلفة عن السنوات السابقة.

إن إدراك الطرفين أن تكلفة الصراع باتت أعلى من تكلفة الحوار، إضافة إلى تغير الظروف الإقليمية والدولية، يجعلان من هذا الانفتاح فرصة نادرة يمكن أن تؤثر ليس فقط في مستقبل الكورد وتركيا، بل في كامل الشرق الأوسط، وخاصة الساحة السورية التي تنتظر أي خطوة تخفف من التوترات وتفتح باباً لحلول أكثر استدامة.

وإذا نجحت هذه الخطوات في التمهيد لبناء الثقة، فقد نشهد خلال العامين المقبلين إطلاق مبادرة سياسية أوسع نطاقاً تُعيد المسألة الكوردية إلى طاولة النقاش ضمن إطار قانوني وسياسي جديد يوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الشعب الكوردي. وهذا بدوره قد يشكّل نقطة تحول تاريخية في أحد أطول ملفات الشرق الأوسط وأكثرها تعقيداً.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى