تركيا محـ ـاصرة دبلوماسياً: تقارير تكشف تفاصيل اجتماعات أمـ ـنية حول مستقبل سوريا
تركيا تشعر بعزلة استراتيجية متزايدة في الملف السوري

تشير المعلومات الواردة من مصادر أمـ ـنـ ـية متعددة في دمشق والساحل السوري، إلى أن الملف السوري عاد ليحتل موقعاً مركزياً على أجندات الدول الإقليمية والغربية، وذلك في مرحلة حساسة تتزامن مع مرور عام على سقـ ـوط نظام بشار الأسد وتولي أحمد الشرع رئاسة السلـ ـطة الجديدة في دمشق. وخلال الأسابيع الأولى من شهر كانون الأول 2025، تكثفت الاجتماعات الأمـ ـنـ ـية الدولية بمشاركة وفود من بريطانيا وتركيا وفرنسا وأمريكا وروسيا إلى جانب وفد أمـ ـنـ ـي يمثل سلـ ـطة دمشق، ما يعكس إدراكاً دولياً بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُحـ ـسـ ـم عسـ ـكـ ـرياً، وأن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا باتت رقماً صعباً في المعادلة السياسية والأمـ ـنـ ـية.
وتميّزت هذه اللقاءات بظهور مواقف واضحة من بعض الأطراف الدولية تجاه الإدارة الذاتية، خاصة الوفدين البريطاني والفرنسي اللذين أكدا بوضوح أن الكورد في سوريا لا يسعون إلى الانفصال أو إقامة دولة مستقلة، بل يريدون البقاء ضمن حدود سوريا الموحدة شريطة تطبيق نموذج لامركزي أو فيدرالي يكفل إدارة شؤونهم السياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية، ويضمن لهم تمثيلاً عادلاً في مؤسسات السلطة. هذا الموقف يشكل اعترافاً غير معلن بشرعية الإدارة الذاتية، ويعكس توجهاً غربياً عاماً يعتبر هذه الإدارة شريكاً أساسياً في الاستقرار ومكافحة الإرهاب، لا سيما مع الدور المحوري لقوات سوريا الديمقراطية في دحر داعش خلال السنوات الماضية.
وعلى الطرف المقابل، ظهرت تركيا في هذه الاجتماعات كأكثر الأطراف قلقاً وتوتراً، حيث حاولت استخدام كل أدواتها الدبلوماسية والأمنية لحصر أي حوار بين سلطة دمشق والإدارة الذاتية بملف انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المناطق العربية شرق الفرات. وذهبت أبعد من ذلك عبر مطالبة الوفد الفرنسي بممارسة ضغط مباشر على الإدارة الذاتية لحثها على تسليم سلاحها والانضمام لمؤسسات السلطة الجديدة، وهو ما رفضه الفرنسيون بشكل صريح. كما عبّرت تركيا عن خيبة أملها مما وصفته بـ “جمود الموقف الأوروبي”، معتبرة أن أوروبا ما زالت تتمسك بدعمها للإدارة الذاتية في إطار مكافحة الإرهاب، وأن هذا الدعم يعكس قدراً من الاستقلالية الأوروبية عن الضغوط التركية.
ورغم العلاقة البراغماتية الجديدة التي تجمع تركيا بسلطة دمشق بعد سقوط النظام السابق، لم تتمكن أنقرة من دفع دمشق لتبني أجندتها بالكامل. فالسلطة الجديدة في دمشق، رغم محاولتها إعادة بناء دولة مركزية، تدرك أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية تمثل قوة عسكرية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاوزها أو تفكيكها بسهولة. ومع ذلك، أصر وفد دمشق خلال الاجتماعات على شروط تعكس ذهنية مركزية واضحة، مثل انضمام مقاتلي قسد كأفراد إلى الجيش السوري وتسليم ملفات الأمن والنفط والغاز والسجون والمعابر إلى السلطة المركزية. هذه الرؤية تفتقر إلى الواقعية، لأن مشروع الإدارة الذاتية قائم على منظومة مؤسساتية متكاملة، ولا يمكن اختزاله في ترتيبات أمنية فردية.
أما روسيا، فبدت حذرة في إدارة علاقاتها مع الأطراف كافة. فعلى الرغم من كونها شريكاً مهماً لتركيا في ملفات عديدة، فإنها ما زالت حريصة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الإدارة الذاتية، خاصة بعد تراجع الثقة المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة. ورغم الضغوط التركية المتزايدة لدفع دمشق نحو شن هجمات على شمال وشرق سوريا، وجهت موسكو رسائل واضحة مفادها أن أي تحرك عسكري تركي قد يصطدم مباشرة بالمصالح الروسية، ويمس نفوذها في سوريا، ولا سيما في الساحل. هذا الموقف الروسي يعكس إدراكاً بأن أي حرب جديدة ستقوّض الاستقرار وتعيد إنتاج التنظيمات المتطرفة، وهو ما يتعارض مع مصالح موسكو الحالية في سوريا.
وكشفت المصادر أن للولايات المتحدة موقفاً واضحاً وحاسماً يقوم على رفض أي تصعيد عسكري تركي أو سوري ضد مناطق الإدارة الذاتية. واشنطن ترى أن أي حرب واسعة ستؤدي إلى إحياء داعش وتهديد المكاسب الأمنية التي تحققها قوات سوريا الديمقراطية في السنوات الأخيرة. وقد نقل الوفد الأمريكي هذه المخاوف لتركيا بشكل مباشر، مؤكداً أن الاستقرار في شمال وشرق سوريا عنصر رئيسي في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وأن قسد شريك لا يمكن التخلي عنه.
وفي خضم هذه الديناميات المعقدة، برز دور إسرائيلي غير متوقع حين كشفت المصادر الروسية أن وفداً أمنياً إسرائيلياً أبلغ موسكو امتلاكه خططاً لإنشاء قواعد ثابتة في جنوب سوريا بهدف الحد من النفوذ التركي. هذا التطور يعكس تعدد الأطراف المنخرطة في الملف السوري، ويشير إلى أن أي تغيير جذري في موازين القوى شمال البلاد سيؤثر حتماً على الجنوب، حيث تتقاطع مصالح أمنية إقليمية حساسة.
ومن ناحية أخرى، تشير المصادر إلى أن الخلاف الأساسي بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق لا يكمن فقط في ملفات الأمن والحدود والنفط، بل في جوهر هوية الدولة السورية القادمة. فسلطة دمشق تتجه نحو إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية التي عانى منها السوريون على مدار عقود، بينما تتمسك الإدارة الذاتية بمشروع لامركزي قائم على توزيع السلطة وفق أسس جغرافية وقومية ودينية، وهو ما يتوافق مع الواقع المجتمعي السوري المعقّد. ورغم هذا التباين في الرؤى، تدرك كل من الإدارة الذاتية ودمشق أن الذهاب إلى حرب مفتوحة سيكون كارثياً، خاصة في ظل الإرهاق المجتمعي والانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه السوريون، ما يجعل الحفاظ على مسار التفاوض – رغم بطئه – أفضل من المخاطرة بانزلاق البلاد نحو صراع جديد.
وتشير التحليلات المستندة إلى هذه اللقاءات إلى أن تركيا تشعر بعزلة استراتيجية متزايدة في الملف السوري، وأن قدرتها على فرض رؤيتها بالقوة تتراجع مقارنة بالسنوات الماضية. فالدعم الأوروبي للإدارة الذاتية ما يزال ثابتاً، والموقف الأمريكي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، بينما تفضّل روسيا الحفاظ على الوضع القائم بدلاً من الانجرار إلى حرب قد تهدد مصالحها. وفي ظل هذا التوازن الجديد، تبدو فرص الإدارة الذاتية وقسد في ترسيخ موقعهما داخل المشهد السوري أعلى مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وبناء على مجمل هذه المعطيات، يتضح أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية نجحتا خلال العقد الماضي في فرض نفسيهما كقوة أساسية في مستقبل سوريا. وعلى الرغم من الضغوط التركية المتواصلة، فإن شبكة التحالفات الدولية، إلى جانب قوتها التنظيمية والعسكرية وارتباطها العميق بالمجتمعات المحلية، تجعل من الصعب تجاهلها أو تجاوزها في أي تسوية سياسية مقبلة. ومع تصاعد القناعة الإقليمية والدولية بأن النموذج اللامركزي قد يكون الخيار الأكثر واقعية لاستقرار سوريا، يبدو أن مشروع الإدارة الذاتية يخطو بثبات نحو أن يصبح جزءاً أساسياً من البنية السياسية السورية المستقبلية، مهما تعددت التحديات والضغوط.



