9000 دولار للصوت الواحد: كيف يُدار مخطّط تركي–سوري لاختراق المكوّن العلوي بالمال

الساحل السوري تحت الوصاية: غرفة عمليات لا ساحة حوار

في ظل تعقيدات المشهد السوري وتشابك الأدوار الإقليمية، يشهد الساحل السوري حراكاً سياسياً وأمنياً موجّهاً، لا يمكن قراءته خارج سياق وضع المنطقة تحت إدارة غير معلنة. فالمعطيات تشير إلى مسار تقوده الاستخبارات التركية، بالتنسيق مع سلطة دمشق، يهدف إلى إعادة ضبط المكوّن العلوي بالقوة الناعمة، بعد فشل أدوات القمع المباشر في إنتاج استقرار قابل للحياة.

لقاء أحمد الشرع: غطاء سياسي لمخطّط أمني

لا يمكن التعامل مع لقاء رئيس السلطة السورية أحمد الشرع مع شخصيات محسوبة على المكوّن العلوي بوصفه مبادرة سياسية، بل كحلقة تنفيذية ضمن مخطّط أوسع. فاللقاء لم يكن حواراً، بل عملية انتقاء مُسبقة لواجهات تؤدي وظيفة محددة: إعطاء انطباع بوجود “تمثيل”، دون أي مضمون تمثيلي فعلي.

وبحسب المعطيات، جرى تأمين مشاركة شخصيات بعينها عبر حوافز مالية مباشرة حيث تم دفع مبلغ 9000 دولار لكل شخص حضر الاجتماع ، في محاولة لصناعة مشهد مصطنع يوحي بقبول واسع. وقد جرى الترويج لاجتماع ضم قرابة 200 شخصية من طرطوس واللاذقية، في حين استُبعد عمداً كل من يمتلك وزناً اجتماعياً أو خطاباً سياسياً مستقلاً.

استدعاء شخصيات تفتقر للقبول الاجتماعي لا يهدف إلى فتح مسار تفاوضي، بل إلى تمرير قرارات مُسبقة بأسماء لا تمثل أحداً. وهو ما يكشف منطق “التمثيل المصنع” الذي يُنتج خارج المجتمع، ويُفرض عليه كأمر واقع.

الهدف من هذه التحركات ليس تمكين المكوّن العلوي، بل تفكيكه من الداخل عبر فرض واجهات خاضعة، تُستخدم لتهميش أي تيار يطالب بتغييرات بنيوية حقيقية، وفي مقدّمتها اللامركزية أو الفيدرالية. ويشكّل هذا النهج مدخلاً لفرض سيطرة أمنية غير مباشرة على الساحل، ومنع أي إمكانية لإعادة إنتاج القرار السياسي خارج الإرادة التركية.

في المقابل، امتنعت شخصيات علوية وازنة عن المشاركة، لا كخطوة احتجاجية شكلية، بل كموقف سياسي واضح يرفض الانخراط في مسرحية تمثيلية. هذا الغياب كشف أن ما يجري لا يحظى بشرعية داخلية، وأن ثمة تياراً يعتبر أن إعادة تدوير المركزية بوجوه جديدة ليست حلاً، بل تمديداً للأزمة.

أنقرة تقود ودمشق تنفّذ

وتؤكد المعطيات أن الدور التركي يتجاوز التأثير إلى الإدارة المباشرة: اختيار الأسماء، تأمين التمويل، صناعة “الشرعية”، وضبط الخطاب السياسي. أما سلطة دمشق، فلا تؤدي سوى دور المنفّذ المحلي، ضمن معادلة تُفرغ السيادة من مضمونها وتُدار فيها المكوّنات بوصفها ملفات أمنية.

اللامركزية هدف مباشر للتجفيف

في الحسابات التركية، لا تُعد اللامركزية خياراً سياسياً، بل تهديداً بنيوياً يجب تفكيكه قبل أن يتحوّل إلى مطلب جامع. لذلك يجري العمل على ضربه عبر الاحتواء القسري، وتفتيت حوامله الاجتماعية، وإفراغه من مضمونه عبر شخصيات مصنوعة، في وقت يستمر فيه العنف والانتهاك الممنهج بحق العلويين، ما يُسقط أي ادعاء بالاستقرار.

التجويع والاعتقال: أدوات إخضاع جماعي

يتقاطع هذا المسار مع سياسات سلطة دمشق القائمة على العقاب الجماعي، من خلال فصل جماعي للموظفين، ووقف مستحقات المتقاعدين، وتحويل الحقوق المعيشية إلى أدوات ابتزاز سياسي. كما يستمر احتجاز عسكريين لم تثبت إدانتهم، في تكريس لمنطق الانتقام الجماعي لا العدالة.

هذه الممارسات لا تعبّر عن فشل إداري، بل عن مشروع واضح لإعادة هندسة المجتمع قسرياً، باستخدام المال والاقتصاد والاعتقال لإعادة تشكيل الولاءات وكسر أي إمكانية لتماسك داخلي مستقل.

في المحصلة، لا يعكس هذا النهج أي نية لدعم حل سياسي شامل، بل سياسة مدروسة لإدارة الأزمة وإطالة عمرها، عبر تفكيك المكوّنات السورية ومنع تشكّل أي تمثيل مستقل أو مشروع وطني جامع.

الرهان على واجهات خاضعة قصيرة الأمد قد يمنح أنقرة هامش ضبط مؤقت، لكنه يكرّس انقساماً عميقاً ويؤجل الانفجار بدل منعه، ويُبقي الساحل السوري رهينة إدارة أمنية لا تنتج استقراراً ولا حلاً.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى