الحكومة السورية تُطلق سراح مدلول العزيز.. إعادة تدوير أذرع النظام السابق ضمن مخطط أمني

أقدمت الحكومة السورية على إطلاق سراح مدلول العزيز، عضو مجلس الشعب السوري السابق، وأحد أبرز الأذرع الأمنية المرتبطة بالنظام السابق وإيران، في خطوة لا يمكن فصلها عن سياق أمني–إقليمي أوسع، يعيد تفعيل شبكات قديمة لإدارة الفوضى وضرب أي قوى مستقلة في شرق سوريا.

مصادر إعلامية متقاطعة تؤكد أن الإفراج عن العزيز لا يأتي في إطار “تسوية” أو إجراء قانوني، بل ضمن محاولة منظمة لإعادة تشغيل شخصيات سبق استخدامها في القمع، الابتزاز، والتحريض العشائري، وخاصة ضد قوات سوريا الديمقراطية، مع مؤشرات على توظيفه مجدداً في تأجيج توترات مناطقية قد تطال أيضاً العلويين والدروز.

من “النصرة” إلى ميليشيات النظام

ينحدر مدلول العزيز من عشيرة العبيدات ضمن قبيلة البكارة، وبرز اسمه كأحد قادة “جبهة النصرة” في دير الزور بين عامي 2012 و2015، وفق تقارير إعلامية متعددة.

ومع سيطرة تنظيم “داعش” على المنطقة، فرّ العزيز إلى دمشق، حيث أجرى تسوية أمنية مع المخابرات الجوية، قبل أن يعود لاحقاً إلى دير الزور لتأسيس ميليشيا عشائرية موالية للنظام، ضمّت مقاتلين سابقين خضعوا لتسويات مماثلة.

“حواجز أبو ذباح”… الأمن كأداة ابتزاز

عرفت الحواجز التي أنشأها العزيز في دير الزور وريفها باسم “حواجز أبو ذباح”، والتي ارتبط اسمها بعمليات ابتزاز مالي واسعة، وتضييق على المدنيين، والتورط في تجارة العملات المزورة، بحسب شهادات محلية وتقارير صحفية.

مجلس الشعب بدعم إيراني

في عام 2020، دخل مدلول العزيز مجلس الشعب السوري بدعم مباشر من ميليشيات إيرانية وشخصيات نافذة، من بينها نواف البشير و“الحاج علي”، قائد الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، وسط اتهامات بشراء الأصوات واستغلال النفوذ.

وشهدت العلاقة بينه وبين نواف البشير لاحقاً خلافاً علنياً وصل إلى تبادل التهديدات، في سياق صراع داخلي على النفوذ داخل قبيلة البكارة.

وشغل العزيز منصب رئيس نادي الفتوة الرياضي، وأثار الجدل مراراً بسبب أحداث شغب رياضية أدت إلى معاقبته بالحرمان من النشاط الرياضي وتغريمه.

بالتوازي، أسس شركة “شام العزيز” لاستيراد وتوزيع مواد البناء والمشتقات النفطية، في نموذج شائع لتحويل النفوذ الأمني إلى واجهة اقتصادية.

كما أشارت تقارير إعلامية إلى تورط العزيز في عمليات شراء عقارات واسعة في دير الزور وريفها، بالتعاون مع فراس العراقية، قائد ميليشيا الدفاع الوطني سابقاً، حيث سُجّلت الأملاك بأسماء وسطاء، وكانت تُدار لصالح الحرس الثوري الإيراني عبر واجهات مرتبطة بالمركز الثقافي الإيراني ومنظمة “جهاد البناء”.

الربط الإقليمي: من دير الزور إلى لبنان

يتزامن إطلاق سراح مدلول العزيز مع كشف شبكة تهريب أسلحة ضخمة عابرة للحدود، اتخذت من الأراضي السورية ممراً رئيسياً لنقل ذخائر وصواريخ متقدمة إلى حزب الله اللبناني، بتنسيق استخباراتي تركي–إيراني مباشر.

وبحسب مصادر مطلعة، جرى في الخامس من تشرين الثاني الفائت نقل قافلة تضم 9 شاحنات ذخيرة وشاحنتين محملتين بصواريخ متطورة عبر حمص إلى لبنان، بإشراف الفرقة 44 التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية، وباستخدام آليات عسكرية رسمية.

العشيرة كواجهة… وتبدّل الرايات لا الأدوار

ولا يقتصر نموذج إعادة التدوير على مدلول العزيز وحده، إذ يُعدّ إبراهيم الهفل أحد قيادات المجموعات العشائرية المسلحة التي كانت تعمل بشكل مباشر مع النظام السابق والحرس الثوري الإيراني في شرق سوريا، إلى جانب شخصيات أخرى لعبت أدواراً أمنية وعسكرية مماثلة خلال السنوات الماضية.

هذه القيادات، التي شاركت سابقاً في الهجمات ضد قوات سوريا الديمقراطية، ووفّرت الغطاء المحلي للميليشيات الإيرانية، أُعيد دمجها اليوم ضمن بنية “الحكومة السورية الجديدة”، مع الحفاظ على وظائفها الأساسية: تأمين طرق التهريب، وإدارة التوترات الأمنية عند الحاجة.

إبراهيم الهفل، الذي أُعيد توظيفه بوساطة تركية وهيئة تحرير الشام، تولّى إصدار الأوامر اللوجستية لشحنات السلاح، فيما لعب شقيقه سامي الهفل دوراً مكمّلاً في تأمين النقل عبر مناطق النفوذ المختلفة، في نموذج يعكس استمرار الشبكات ذاتها مع تغيير الأدوار والمرجعيات العلنية فقط.

إغلاق الملف… واعتقال المحققين

وعندما كُشف جزء من الشبكة بعد اعتقال مهرب الأسلحة فرحان الحامد، جرى اعتقال إبراهيم الهفل ثم الإفراج عنه بتدخل تركي–قطري مباشر، بذريعة “عدم إثارة القوى العشائرية”.

الأخطر أن المحققين الذين تولوا الملف جرى اعتقالهم لاحقاً، في مؤشر واضح على قرار سياسي–استخباراتي بإغلاق القضية نهائياً.

ما جرى ليس إفراجاً، ولا تهريباً معزولاً، بل مخطط واحد بأدوات متعددة. مدلول العزيز، إبراهيم الهفل، وشخصيات عشائرية وأمنية أخرى، جميعهم يشكّلون اليوم سلسلة واحدة في مشروع واحد، تعمل تحت مظلة الحكومة السورية الجديدة، وبخدمة أجندات إقليمية “تركيّة ـ إيرانية”.

تُدار سوريا اليوم كساحة نفوذ لا كدولة، والفوضى تُستخدم كأداة حكم، وأي قوة مستقلة تُستهدف، بينما تُعاد الشخصيات الأكثر ارتباطاً بالقمع والتهريب والارتهان الخارجي إلى الواجهة من جديد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى