سوريا تنهار: بريطانيا تحذر من سيطرة الحكم المواز داخل الحكومة السورية وتصاعد العنف

يشير التقييم البريطاني للوضع في سوريا إلى أن الأزمة لم تعد مجرد فشل في المسارات السياسية أو اتفاقات مرحلية، بل أصبحت مرتبطة بـ اختلالات هيكلية عميقة في بنية الدولة وإدارتها. وتبرز عدة عناصر رئيسية تهدد الاستقرار: ضعف المؤسسات الرسمية، وجود هياكل حكم موازية مرتبطة برأس السلطة غير خاضعة للمساءلة، استمرار الانتهاكات الأمنية بما في ذلك القتل العشوائي والتهجير القسري، والتحريض المتطرف داخل بعض المؤسسات الرسمية. وتؤكد بريطانيا أن معالجة هذه القضايا تتطلب إصلاحات بنيوية شاملة تضمن سيادة القانون ومشاركة جميع المكونات والطوائف السورية في إدارة الدولة وصنع القرار، وتحدّ من الانقسامات والاستقطاب، كشرط أساسي لأي استقرار طويل الأمد.
الأزمة لم تعد فشلاً مرحلياً
يعكس التقييم البريطاني للوضع السوري رؤية مفادها أن الأزمة لم تعد محصورة في فشل المسارات السياسية أو تعثر الاتفاقات المرحلية، بل باتت مرتبطة باختلالات هيكلية في بنية الحكم وإدارة الدولة. فعلى الرغم من الاتفاقات المرحلية التي جرى التوصل إليها لم تُترجم إلى مسار عملي مستدام حتى الآن، بسبب استمرار الشكوك حول توفر الإرادة السياسية الحقيقية والقدرة التنفيذية الفعلية لدى السلطة القائمة، سواء على المستوى المؤسسي أو الأمني.
غياب إطار قانوني شامل
وتشير لندن إلى أن أحد أبرز أسباب تعثر الاستقرار يتمثل في غياب إطار قانوني جامع وفاعل، قادر على ضمان مشاركة حقيقية ومتوازنة لمختلف المكونات والطوائف السورية في إدارة الشأن العام. هذا الغياب لا يكتفي بإدامة حالة التهميش، بل يسهم في تحويل التباينات المجتمعية إلى انقسامات حادة، تتطور تدريجياً إلى استقطاب سياسي وطائفي بين الأطراف المختلفة، ما يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة داخل المجتمع السوري، ويقوّض أي إمكانية لبناء عقد اجتماعي جديد قادر على استيعاب التنوع السوري.
هياكل موازية للحكم مرتبطة برأس السلطة
تشير التقديرات البريطانية إلى أن واحدة من أخطر الإشكاليات البنيوية في المشهد السوري تتمثل في ترسّخ هياكل حكم موازية تعمل فعلياً خارج الأطر الدستورية والمؤسساتية المعلنة، وترتبط بشكل مباشر برأس السلطة. هذه الهياكل لا تقوم بدور تكميلي للمؤسسات الرسمية، بل تحلّ محلها في كثير من الملفات السيادية والأمنية والاقتصادية، ما يؤدي إلى إضعاف دور الدولة كمؤسسة جامعة، ويكرّس منطق الإدارة عبر الشبكات بدلاً من الإدارة عبر القانون.
وتنعكس هذه البنية الموازية في ازدواجية القرار السياسي والأمني، حيث تتداخل الصلاحيات بين الأجهزة الرسمية والجهات غير المعلنة، ما يخلق حالة من التضارب في السياسات، ويقوض مبدأ التسلسل الإداري والمسؤولية الواضحة. ونتيجة لذلك، تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على التخطيط والتنفيذ والمساءلة، في مقابل صعود شبكات نفوذ غير خاضعة لأي أطر رقابية أو محاسبية، تستمد شرعيتها من القرب من مركز القرار لا من القانون.
كما ترى لندن أن استمرار هذا النمط من الحكم يساهم بشكل مباشر في تفريغ مفهوم الدولة من مضمونه المؤسساتي، إذ تصبح القوانين أداة انتقائية تُطبّق وفق اعتبارات الولاء والمصلحة، لا وفق معايير موحدة. ويؤدي ذلك إلى تقويض الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز شعور الإقصاء والتهميش لدى فئات واسعة من السوريين، ما يغذي الانقسامات الداخلية ويحدّ من فرص الاستقرار طويل الأمد.
وعلى مستوى الإصلاح، تؤكد التقديرات البريطانية أن وجود هياكل الحكم الموازي يشكل عائقاً بنيوياً أمام أي عملية تحول سياسي أو إداري حقيقي، إذ إن هذه الشبكات تمتلك مصلحة مباشرة في إبقاء الوضع القائم، وتعمل على تعطيل أو تحييد أي مسار إصلاحي قد يهدد نفوذها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن بناء دولة قائمة على سيادة القانون والمساءلة أمراً نظرياً، ما لم يتم تفكيك هذه البنى الموازية وإعادة توحيد القرار داخل مؤسسات رسمية واضحة الصلاحيات وخاضعة للرقابة.
الانتهاكات الأمنية والتهجير القسري
على الصعيد الأمني، ترى بريطانيا أن استمرار القتل العشوائي وعمليات التهجير القسري يشكّل أحد أخطر مظاهر الانفلات الأمني في سوريا، لما يحمله من تداعيات مباشرة على النسيج الاجتماعي والاستقرار طويل الأمد. وتشير التقديرات البريطانية إلى أن هذه الانتهاكات لا تُنفَّذ بوصفها حوادث فردية معزولة، بل تأتي في كثير من الأحيان ضمن أنماط سلوكية متكررة تمارسها جماعات مسلحة غير منضبطة، بعضها يعمل تحت مظلة رسمية أو بارتباط اسمي بوزارة الدفاع السورية، دون أن يخضع لسلطة ضبط فعالة أو منظومة مساءلة حقيقية.
ويؤدي القتل العشوائي، بحسب الرؤية البريطانية، إلى تحويل المدنيين إلى طرف مباشر في الصراع، ما يوسع دائرة العنف ويقوض أي شعور بالأمان داخل المجتمعات المحلية. كما أن غياب التحقيقات الجدية والمحاسبة القانونية في هذه الحالات يعزز قناعة سائدة بأن استخدام القوة المفرطة بات أداة مقبولة لإدارة الخلافات أو فرض السيطرة، الأمر الذي يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويضعف هيبة القانون.
أما التهجير القسري، فتعتبره بريطانيا أداة ذات آثار استراتيجية بعيدة المدى، إذ لا يقتصر تأثيره على البعد الإنساني فحسب، بل يسهم في إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية لمناطق واسعة، ويفرض وقائع اجتماعية جديدة قائمة على الإقصاء والخوف. وترى لندن أن هذا النمط من التهجير يغذي مشاعر الظلم والانتقام لدى الفئات المتضررة، ويزرع بذور نزاعات مستقبلية يصعب احتواؤها، حتى في حال التوصل إلى تسويات سياسية مؤقتة.
التحريض داخل المؤسسات الرسمية
وفي هذا السياق، تحذر لندن من خطورة التحريض الصادر عن تيارات متطرفة داخل بعض المؤسسات الرسمية السورية، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والإدارية، حيث تقوم هذه التيارات، وفق التقديرات البريطانية، بتوظيف سلطتها الرسمية للترويج لأجندات أيديولوجية متطرفة. ويشير التحليل البريطاني إلى أن هؤلاء الفاعلين لا يمثلون فقط اختلالاً في الانضباط المؤسسي، بل يعملون على استغلال مواقعهم الرسمية لإضفاء شرعية وهمية على خطاب التحريض، وتأجيج الانقسامات داخل المجتمع، ما يخلق بيئة خصبة للعنف والاضطراب الاجتماعي.
وتتخذ هذه التيارات المتطرفة عدة أشكال، منها:
ـ انتشار خطاب طائفي أو عنصري داخل الأجهزة الرسمية يبرر التمييز أو الإقصاء بحق بعض المكونات.
ـ دعم غير مباشر أو مباشر لمجموعات مسلحة متطرفة، سواء عبر تسهيل حركتها أو توفير غطاء أمني لها، ما يعمّق حالة الإفلات من العقاب.
ـ إعادة إنتاج أنماط السلطة القائمة على الولاء والشبكات الشخصية بدل الالتزام بالقوانين والمعايير المهنية، ما يقوض أي محاولة للإصلاح المؤسسي.
وترى بريطانيا أن استمرار هذا التحريض داخل المؤسسات الرسمية يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار المجتمعي، إذ يقوض أي جهود للتهدئة أو المصالحة، ويزيد من احتمالات تصعيد النزاعات المحلية. لذلك، تؤكد لندن أن التصدي لهذه الظاهرة يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الإصلاح، سواء عبر سن آليات قانونية صارمة، أو عبر إجراءات مؤسسية تهدف إلى إزالة النفوذ المتطرف من داخل مؤسسات الدولة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لوقف دوامة العنف ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك والانقسام.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المقاربة البريطانية ترى أن مستقبل الاستقرار في سوريا مرهون بإصلاحات بنيوية عميقة، تبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفرض إطار قانوني جامع يضمن مشاركة فعلية ومتوازنة لجميع الطوائف والمكونات السورية في إدارة الدولة وصنع القرار، بما يعزز مبدأ الشراكة الوطنية ويحدّ من سياسات الإقصاء. ويشمل ذلك ضبط الفاعلين المسلحين وإخضاعهم لسلطة الدولة، وصولاً إلى تفكيك شبكات الحكم الموازي التي تقوض العمل المؤسسي. ومن دون تحقيق هذه الشروط، ستبقى أي تسويات مرحلية عرضة للانهيار، وسيظل المشهد السوري مفتوحاً على مزيد من الأزمات وعدم اليقين.



