من أنقرة إلى حلب: مشروع الهيمنة التركي يصطدم بمقاومة الأحياء الكوردية

في 30 كانون الأول/ديسمبر 2025، أجرى رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش السوري، اللواء علي نور الدين النعسان، زيارة رسمية إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث التقى وزير الدفاع التركي ياشار غولر. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين، جاء اللقاء في إطار “تعزيز التعاون العسكري” وتنسيق العمليات المرتبطة بالتطورات الميدانية في سوريا.
تكليف تركي مباشر باستهداف الأحياء الكوردية في حلب
إلا أن مصادر مطلعة كشفت أن الاجتماع تجاوز الطابع البروتوكولي، وتضمّن تكليفًا مباشرًا من وزير الدفاع التركي لرئيس هيئة الأركان العامة في سلطة دمشق بتنفيذ هجمات تستهدف الأحياء السكنية الكوردية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، مع إسناد مهمة الإشراف المباشر على تلك العمليات للنعسان نفسه.

وأوضحت المصادر أن علي نور الدين النعسان يمثل المؤسسة العسكرية السورية الرسمية ويتمتع بقنوات تواصل مباشرة مع السلطات التركية، مشيرة إلى أن هذا المسار من التعاون يشمل أيضًا وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي يحرص على تنسيق المواقف مع المصالح التركية في سوريا وضمان الانسجام الكامل مع التوجهات السياسية والعسكرية لأنقرة.
وأكدت المصادر ذاتها أن هذا الجناح يحظى بدعم عدد من الفصائل التركمانية المعروفة بولائها لتركيا منذ سنوات الأزمة السورية.
أدلة مصوّرة تكشف هوية القوى المنفذة للهجوم
وبحسب المشاهد والمواد المصوّرة التي نشرها عناصر تلك الفصائل بأنفسهم خلال الهجوم على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، فإن القوى المشاركة في العمليات تتبع مباشرة للنفوذ التركي، وهي:
الفرقة 62 (المعروفة باسم فرقة سليمان شاه – العمشات)
الفرقة 72 (المعروفة باسم فرقة السلطان مراد)
الفرقة 76 (المعروفة باسم فرقة الحمزة)
الفرقة 80 (المعروفة باسم حركة نور الدين الزنكي)
وتشير المشاهد الموثقة إلى أن الفصائل التي تشنّ هذه الهجمات على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية هي نفسها المتورطة في ارتكاب مجازر مثبتة في كل من السويداء والساحل السوري، وهي فصائل مدرجة على قوائم العقوبات الدولية بسبب سجلها الحافل بالانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب بحق المدنيين.
النعسان من قائد أركان إلى مشرف ميداني للهجمات
وفي تأكيد رسمي على الدور الميداني المباشر للقيادة العسكرية، أعلن عاصم غليون، مدير إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، وصول رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء علي النعسان، إلى مدينة حلب للإشراف على الواقع العملياتي والميداني، في خطوة تعكس مستوى التنسيق العسكري والتنفيذي في إدارة الهجمات الجارية.

الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية: بوابة إخضاع حلب سياسيًا وعسكريًا
في العمق الاستراتيجي لما يجري، تتضح ملامح مشروع تركي يتجاوز حدود “التأثير” إلى مشروع سيطرة وهيمنة كاملة على مدينة حلب، بوصفها الهدف الأثقل في الحسابات الإقليمية لأنقرة. فتركيا لا تنظر إلى حلب كمدينة سورية فحسب، بل كـغنيمة جيوسياسية تاريخية تسعى إلى استعادتها عمليًا ضمن نزعة توسعية ومطامع متجذرة في الذاكرة التركية ومن هذا المنظور، تأتي الهجمات على الأحياء الكوردية – الشيخ مقصود والأشرفية – كخطوة مدروسة في مسار تفكيك آخر مراكز الرفض الشعبي والعسكري للنفوذ التركي داخل المدينة، تمهيدًا لإخضاع حلب بالكامل وإلحاقها بمجال السيطرة التركية، ولو بصيغة احتلال مقنّع عبر وكلاء محليين وفصائل مأجورة.
إن ما يجري ليس صراعًا أمنيًا ولا عملية عسكرية عابرة، بل مشروع إعادة رسم للحدود الفعلية على الأرض، تُستخدم فيه الدماء والدمار كأدوات لفرض واقع جديد يجعل من حلب ساحة نفوذ تركي دائم، ويحوّل السيادة السورية إلى مجرد عنوان فارغ من المضمون.
الصمود الشعبي يرسم خطًا أحمر: لا احتلال مقنّع ولا هيمنة على حلب
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن هذا المشروع لا يواجه فراغًا ولا استسلامًا، بل يصطدم بإرادة مقاومة صلبة من قبل أهالي الأحياء المستهدفة وقوى الأمن الداخلي (الأسايش)، الذين أثبتوا أن حلب ليست ساحة مفتوحة للهيمنة ولا مدينة قابلة للاحتلال المقنّع. فالتلاحم الشعبي مع القوى الأمنية المحلية يشكّل اليوم خط الدفاع الأول في وجه محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة، ويبعث برسالة واضحة بأن أي مخطط لانتزاع المدينة من محيطها الوطني والتاريخي سيُواجَه برفض قاطع ومقاومة مشروعة.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن هذا الصمود يؤكد أن حلب ليست للبيع، ولن تكون ورقة في بازار المطامع الإقليمية، مهما بلغت شدة الضغوط أو اتسعت دائرة العدوان.



