تحذير فرنسي صارخ: النفوذ الجـ ـهادي يطيح بشرعية الدولة ومسار الاستقرار في سوريا

توافق دولي نادر: الجهاديون خط أحمر أمام أي استقرار في سوريا

يعكس الموقف الفرنسي الأخير توجهاً دولياً متزايداً نحو التشدد في التعامل مع مسألة نفوذ الجماعات الجهادية داخل بنية السلطة السورية، إذ تشير باريس إلى وجود شبه توافق بين قوى دولية كبرى، من بينها الولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا، على أن استمرار حضور هذه الجماعات في مؤسسات الدولة، ولا سيما في المواقع ذات الصلاحيات العليا، يمثّل عقبة بنيوية أمام أي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة السورية أو إطلاق مسار استقرار مستدام.

باريس تتهم دمشق: لا إصلاح حقيقي… فقط إجراءات تجميلية

غير أن اللافت في التقييم الفرنسي لا يقتصر على تشخيص المشكلة، بل يمتد إلى انتقاد ما تعتبره غياب الإرادة السياسية لدى سلطات دمشق لاتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. فبحسب القراءة الفرنسية، ما زالت الإجراءات المتخذة حتى الآن أقرب إلى المعالجات الشكلية منها إلى إصلاحات بنيوية تمس جوهر منظومة الحكم والأمن والإدارة، الأمر الذي يكرّس حالة من الجمود السياسي ويُبقي البلاد في دائرة المخاطر المزمنة.

تحذير فرنسي شديد: العنف الطائفي مؤشر على انهيار المرجعية الوطنية

وفي بعدٍ أكثر حساسية، تربط فرنسا بين هذا الواقع السياسي وبين تصاعد مظاهر العنف ذات الطابع الطائفي، ولا سيما ضد أبناء الطائفة العلوية. فباريس ترى أن تنامي هذا النوع من العنف لا يمكن فصله عن حالة السيولة الأمنية وغياب المرجعية الوطنية الجامعة، محذّرة من أن استمرار هذا المسار قد يعيد إنتاج أنماط الصراع الأهلي التي شهدتها سوريا في مراحل سابقة، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للسلم الاجتماعي وإمكانات الاستقرار.

نفوذ هيئة تحرير الشام داخل المؤسسات… قلق أمني وسياسي متصاعد

كما أشارت باريس إلى أن تنامي نفوذ بعض الشخصيات المنتمية إلى هيئة تحرير الشام داخل مفاصل أساسية من أجهزة الدولة لم يعد مجرّد ظاهرة هامشية، بل بات يشكّل، في التقدير الفرنسي، مصدراً جدياً للقلق السياسي والأمني. فوجود هذه الشخصيات في مواقع مؤثرة داخل البنية الإدارية والأمنية يعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة السلطة، حيث يجري ـ وفق الرؤية الفرنسية ـ الانتقال من نموذج الدولة ذات المؤسسات إلى نموذج شبكات النفوذ التي تُدار فيها مفاصل الحكم عبر ولاءات غير رسمية، لا تخضع لمنطق المحاسبة أو الشفافية.

من الدولة إلى الشبكات: كيف تغيّر شكل السلطة في دمشق؟

وترى باريس أن هذا الواقع يفضي عملياً إلى تكريس صيغة حكم أحادية، تقوم على فرض مشاريع سياسية ورؤى أيديولوجية خاصة، بمعزل عن أي توافق وطني شامل. وهو ما يحوّل العملية السياسية من ساحة شراكة وتعدد إلى مجال هيمنة وإقصاء، ويعيد إنتاج منطق الغلبة بدل منطق التوافق، الأمر الذي يضعف فرص بناء عقد اجتماعي جديد قادر على استيعاب التنوع السياسي والمجتمعي في سوريا.

عملية سياسية بلا مضمون: انتخابات شكلية وحوار بلا تمثيل

وفي هذا السياق، تحذّر فرنسا من أن استمرار هذا المسار سيقود إلى إفراغ أي عملية سياسية مستقبلية من مضمونها التشاركي، إذ تصبح الانتخابات أو الحوارات أو المبادرات الإصلاحية، في حال إطلاقها، مجرد أطر شكلية لا تعكس توازنات حقيقية داخل المجتمع السوري. فغياب الشراكة الوطنية الفعلية يعني عملياً تغييب مكوّنات واسعة من المجتمع عن صناعة القرار، ما يكرّس شعور التهميش ويغذّي بؤر التوتر السياسي والاجتماعي.

غياب الشمولية يقوّض الثقة ويعرقل أي دعم دولي

كما ترى باريس أن تمدّد نفوذ شخصيات محسوبة على هيئة تحرير الشام داخل أجهزة الدولة يضعف بصورة مباشرة فرص استعادة الثقة بين السلطة والمجتمع، إذ يُنظر إلى هذا النفوذ بوصفه دليلاً على أن الدولة لم تعد إطاراً جامعاً لكل السوريين، بل أداة بيد تيار محدد يسعى إلى إعادة هندسة المجال السياسي وفق أولوياته الخاصة. وهذا، في التقدير الفرنسي، لا يهدد فقط فرص التوافق الداخلي، بل يعرقل أيضاً أي مساعٍ دولية لدعم مسار الاستقرار وإعادة الإعمار، لأن غياب الشمولية السياسية يقوّض أسس الشرعية التي يقوم عليها أي دعم خارجي مستدام.

الإصلاح البنيوي أو الانهيار البطيء: معادلة المرحلة القادمة

وبناءً على ذلك، تخلص القراءة الفرنسية إلى أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تتم عبر إجراءات جزئية أو تغييرات شكلية في الوجوه، بل تتطلب إصلاحاً بنيوياً في طبيعة الحكم، يضمن الفصل الواضح بين مؤسسات الدولة وبين أي تنظيمات أيديولوجية أو عسكرية، ويعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية كشرط أساسي لإطلاق عملية سياسية جامعة قادرة على استيعاب مختلف المكوّنات السورية، ووضع البلاد على مسار استقرار طويل الأمد.

غضب الشارع يتصاعد: الأمن المنفلت والاقتصاد المنهار يسحبان الشرعية

وفي موازاة ذلك، أكدت فرنسا أن حالة من السخط الشعبي المتزايد باتت تطغى على المزاج العام في الشارع السوري، مدفوعة بتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، واستمرار الأزمات المعيشية، إلى جانب الانتقادات الواسعة لأسلوب الحكم وإدارة الدولة. وترى باريس أن هذا الواقع ساهم في تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وأفقد الحكومة القدرة على بناء علاقات متينة ومستدامة مع المواطنين، الأمر الذي يضعف من شرعيتها السياسية والاجتماعية على حد سواء.

المجتمع الدولي يبتعد: سياسات دمشق تعمّق الانقسام بدل ترميم الدولة

وفي هذا السياق، يكتسب الموقف الفرنسي بُعداً دولياً أوسع عندما يشير إلى النظرة السلبية المتنامية للمجتمع الدولي تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة دمشق. فهذه السياسات، وفق التقدير الفرنسي، لا تسهم في ترميم النسيج الوطني أو تقليص فجوات الانقسام، بل على العكس، تعمّق التفاوتات الاجتماعية وتعيد إنتاج خطوط الانقسام السياسي والطائفي، بما يهدد بتحويل الأزمة السورية من أزمة انتقال سياسي إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى