روسيا تحذّر: النظام المركزي يقود سوريا إلى الانهيار… واللامركزية هي الإنقاذ

روسيا: اللامركزية ليست خيارًا بل ضرورة لإنقاذ سوريا

ترى روسيا أن اللامركزية لم تعد مجرّد خيار إداري، بل باتت ضرورة سياسية وأمنية واقتصادية لوقف مسلسل الانهيار في سوريا. فالتجربة التي فرضها واقع السنوات الماضية أثبتت، من وجهة النظر الروسية، أن نموذج السلطة المركزية المطلقة لم يعد قادراً على إدارة دولة متعددة الانقسامات وممزقة اجتماعياً وميدانياً. لذلك تدفع موسكو باتجاه صيغة حكم تمنح الأقاليم صلاحيات سياسية وإدارية وأمنية واسعة، ضمن إطار سيادي موحّد، بما يسمح بامتصاص التوترات، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتخفيف العبء عن المركز الذي بات عاجزاً عن إدارة البلاد بمفرده.

احتكار السلطة يقود سوريا إلى طريق مسدود

وتربط روسيا هذا الطرح بحقيقة أن سوريا تعيش اليوم انسداداً سياسياً كاملاً ناتجاً بالدرجة الأولى عن الانفراد بالسلطة وإقصاء الشركاء السياسيين. فالنظام القائم ما يزال يتعامل مع الحكم باعتباره ملكية حصرية لا مجال فيها للتعدد أو الشراكة، وهو ما عطّل أي إمكانية لبلورة عقد سياسي جديد يجمع السوريين. وقد انعكس ذلك في فشل كل محاولات إطلاق مسار سياسي جاد، سواء عبر اللجنة الدستورية أو المبادرات الإقليمية، التي اصطدمت دائماً بجدار الرفض لأي تغيير حقيقي في بنية الحكم. ومن وجهة النظر الروسية، فإن هذا النهج لا يطيل أمد الأزمة فحسب، بل يفرّغ الدولة من مضمونها، ويحوّلها إلى جهاز إداري أمني بلا قاعدة اجتماعية حقيقية.

الانهيار الاقتصادي: سياسات الحكومة تسرّع الأزمة

أما على الصعيد الاقتصادي، فتؤكد موسكو أن التدهور لم يعد مرتبطاً بالحرب وحدها، بل أصبح نتيجة مباشرة للسياسات الحكومية القائمة. فالإدارة الاقتصادية اتسمت بالعشوائية، والاعتماد المفرط على الجباية والضرائب، وغياب أي رؤية إنتاجية، ما أدى إلى:

ـ انهيار الليرة السورية بشكل متواصل.

ـ تضخم حاد أضر بدخل المواطنين.

ـ ارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة.

ـ تراجع الخدمات الأساسية إلى مستويات كارثية.

وترى روسيا أن الحكومة، بدلاً من مراجعة سياساتها، تكتفي بإلقاء اللوم على العقوبات والدمار السابق، بينما تتجاهل مسؤوليتها عن سوء الإدارة، والفساد البنيوي، واحتكار القرار الاقتصادي.

الانفلات الأمني: الدولة تحوّلت إلى مصدر تهديد

أمنياً، تعتبر روسيا أن الوضع الميداني هو أحد أخطر مؤشرات فشل النموذج المركزي القائم. فبدلاً من أن تقود استعادة السيطرة العسكرية إلى استقرار، شهدت البلاد تصاعداً في الانتهاكات الأمنية، ما عمّق شعور قطاعات واسعة من السوريين بالاغتراب عن الدولة. وتشمل هذه الانتهاكات، وفق تقييمات روسية، أنماطاً مقلقة من العنف الموجّه طالت مكوّنات بعينها، وأسهمت في تأجيج الاحتقان الطائفي والمجتمعي.

وتخلص القراءة الروسية من هذه النماذج إلى أن استهداف المكوّنات الاجتماعية عبر أدوات أمنية وعسكرية، مهما كانت الذرائع، لا يرسّخ وحدة الدولة، بل يفتح الباب أمام تفكك اجتماعي عميق، ويحوّل الأمن من عامل حماية إلى مصدر تهديد مباشر للسلم الأهلي. ومن هنا ترى موسكو أن استمرار هذا النهج يمثّل أحد أخطر مظاهر فشل النموذج المركزي، ويعزّز قناعتها بأن أي استقرار مستدام يمرّ حتماً عبر مقاربة مختلفة تقوم على اللامركزية الموسّعة، والمساءلة، واحترام حقوق المكوّنات كافة دون استثناء.

اللامركزية: الطريق الوحيد لاستقرار سوريا

في ضوء كل ذلك، تخلص روسيا إلى أن اللامركزية ليست تنازلاً عن الدولة، بل محاولة لإنقاذها من التفكك. فهي، من وجهة نظرها، الإطار الوحيد القادر على:

ـ كسر الانسداد السياسي الناتج عن احتكار السلطة.

ـ الحدّ من الانهيار الاقتصادي عبر إشراك الأطراف المحلية في القرار والتنمية.

ـ تخفيف الاحتقان الأمني من خلال توزيع المسؤوليات بدل تركيزها في جهاز واحد.

وبالتالي، فإن إصرار دمشق على التمسك بالنموذج القديم، رغم تغيّر كل الشروط من حوله، يبدو في القراءة الروسية رهاناً خاسراً، لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، فيما ترى موسكو أن الطريق الأقصر نحو الاستقرار يمرّ حتماً عبر إعادة تعريف شكل الدولة ونمط الحكم، لا الاكتفاء بتغيير الخطاب مع الإبقاء على البنية ذاتها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى