فرنسا تقود حراكاً دبلوماسياً لضمان مستقبل روج آفا

تشهد الساحة السورية، ولا سيما في شمال وشرق البلاد، حراكًا دبلوماسيًا متزايدًا تقوده فرنسا عبر قنوات اتصال متعددة مع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، مع فاعلين إقليميين، وفي مقدمتهم قيادات إقليم كوردستان العراق.
آخر الجولات الدبلوماسية الفرنسية تمثلت بزيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى إقليم كوردستان العراق ولقائه بقيادات الإقليم بالإضافة إلى وفد سياسي وعسكري من روج آفا.
يأتي هذا الحراك في سياق إقليمي ودولي، تتداخل فيه ملفات محاربة الإرهاب، وإعادة ترتيب النفوذ، والبحث عن صيغ استقرار مستدامة في سوريا.
تكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة بالنظر إلى موقع فرنسا التاريخي في الملف السوري، ودورها المستمر داخل التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، فضلًا عن كونها من الدول الأوروبية القليلة التي حافظت على تواصل سياسي وأمني مع الإدارة الذاتية.
فرنسا تعتبر الإدارة الذاتية شريكًا ضروريًا في ملف مكافحة الإرهاب
منذ هزيمة تنظيم داعش جغرافيًا، برزت الإدارة الذاتية كفاعل أمر واقع في شمال وشرق سوريا، تدير مساحة واسعة ومتعددة القوميات، وتتحمّل عبئًا أمنيًا كبيرًا في ملف السجون ومخيمات داعش. في هذا الإطار، تنظر فرنسا إلى الإدارة الذاتية بوصفها شريكًا ضروريًا في ملف مكافحة الإرهاب، لكن الاتصالات الأخيرة تشير إلى انتقال جزئي من المقاربة الأمنية البحتة نحو نقاشات ذات طابع سياسي-قانوني، تتعلق بالضمانات المستقبلية ووضع المنطقة ضمن أي تسوية سورية محتملة.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تجاهل هذا الكيان أو التعامل معه كظرف مؤقت لم يعد واقعيًا، خصوصًا في ظل هشاشة الدولة السورية المركزية واستمرار الانقسامات.
إقليم كوردستان العراق الوسيط والضامن المحتمل
تُعدّ اتصالات فرنسا مع قيادات إقليم كوردستان العراق جزءًا محوريًا من هذا الحراك. فالإقليم يمتلك علاقات تاريخية وسياسية مع القوى الكوردية في سوريا، كما يحظى بشرعية دولية نسبية، ويُنظر إليه كحالة ناجحة – ولو جزئيًا – للحكم الذاتي ضمن دولة مركزية.
في هذا السياق، يُطرح إقليم كوردستان كوسيط محتمل، أو كطرف مساهم في بلورة تصوّر للضمانات السياسية والأمنية التي يمكن أن تُمنح للإدارة الذاتية، سواء في علاقتها مع دمشق أو في مواجهة التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها التدخلات التركية.
ضمانات إقليمية ودولية
لا يمكن فصل الدور الفرنسي عن محاولات موازنة العلاقات مع فاعلين إقليميين مؤثرين. ففرنسا تدرك حساسية الملف الكوردي بالنسبة لتركيا، كما تدرك في الوقت نفسه أن أي تسوية تتجاهل الإدارة الذاتية ستبقى ناقصة وقابلة للانفجار. من هنا، تتركّز النقاشات على الاعتراف بإدارة روجآفا، وتحقيق ضمانات تتعلق بحماية السكان، وعدم العودة إلى سياسات الإقصاء أو القمع التي ميّزت مرحلة ما قبل 2011.
هذه الضمانات، إن طُبّقت، قد تشكّل أرضية أولية لدمج الإدارة الذاتية ضمن حل سوري أوسع، دون فرض تفكيك قسري لها أو إنكار خصوصيتها السياسية والاجتماعية.
ترسيخ الإدارة الذاتية
بالنسبة لروج افا، تمثّل هذه الاتصالات نافذة سياسية مهمّة، حتى وإن كانت محدودة السقف. فهي تسهم في ترسيخ الإدارة الذاتية كطرف لا يمكن تجاوزه، وتمنحها هامشًا من الحماية السياسية غير المباشرة، خصوصًا في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي النسبي بالملف السوري.
صحيح أن مستوى الاعتراف ما يزال دون الطموحات، إلا أن الانتقال من سياسة “الإنكار الصامت” إلى “التعامل الواقعي المشروط” يُعدّ تطورًا نوعيًا. فكل نقاش دولي حول الضمانات، واللامركزية، ومستقبل الحكم في سوريا، يعني عمليًا تثبيت وجود روج افا على طاولة البحث، ولو من دون اسم رسمي.



