مخطط تركي جديد… خـ ـنق شنكال وبتـ ـر الجغرافيا وإعادة هندسة المعادلة الدستورية

في لحظة إقليمية يتصدر فيها ملف الضـ ـغط على إيران أولويات القوى الدولية، تتحرك أنقرة على مسارات موازية لتمرير مشروعها في روج آفا وإقليم كوردستان. هذا التحرك لا يمكن قراءته بوصفه “عمـ ـلية عسـ ـكرية عابرة” أو مجرد رد أمـ ـني محدود، بل باعتباره مشروعاً طويل النفس لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الكوردية، عبر ثلاث حلقات مترابطة: خـ ـنق شنكال ومخمور، بتـ ـر الأوصال بين كورد العراق وسوريا، ثم الدفع نحو تفـ ـكيك الإطار الدستوري الذي يحمي الفيدرالية في العراق.

خنق شنكال ومخمور – إعادة إنتاج سيناريو 2014 بغطاء رسمي

في 9 شباط 2026، كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن نوايا بلاده توسيع هجماتها الاحتلالية لتشمل قضاء سنجار (شنكال) ومخمور وقنديل، في سياق تصعيدي واضح. الأخطر في تصريحاته لم يكن التهديد العسكري فحسب، بل الإشارة الصريحة إلى تنسيق محتمل مع أطراف عراقية، عندما تحدث عن 20 اجتماعاً مع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، ملمحاً إلى إمكانية تزامن التحرك الجوي التركي مع تحرك بري عراقي “لا يستغرق سوى يومين أو ثلاثة”.

شنكال ليست نقطة جغرافية هامشية؛ إنها الموطن التاريخي للإيزيديين الذين تعرضوا في 3 آب 2014 لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش. أي تحرك لنزع سلاح المجتمع الإيزيدي، في ظل تصاعد تهديدات أمنية، يستحضر مباشرة ذاكرة ما قبل الإبادة، حين جُمعت أسلحة الأهالي وتركوا بلا حماية. اليوم، ومع شروع الجيش العراقي بحملات لجمع السلاح وإنشاء نقاط عسكرية جديدة دون تنسيق كامل مع أسايش إيزيدخان، تتصاعد المخاوف من إعادة إنتاج السيناريو ذاته، لكن هذه المرة تحت عنوان “تنظيم السلاح” و”فرض سلطة الدولة” التي تحمي الإيزيديين يوماً.

وعلى الفور بدأت التحذيرات من المجتمع الإيزيدي، هذه التحذيرات لم تنطلق من خطاب عاطفي، بل من تجربة وجودية. فالمجتمع الذي تُرك لمصيره عام 2014 يرى في أي تفكيك لقواه الدفاعية المحلية تمهيداً لفراغ أمني قد تستغله قوى متطرفة أو فصائل تعمل بالوكالة.

أما مخمور، الذي يضم مخيماً خاضعاً لإشراف الأمم المتحدة ويؤوي مهجرين من كوردستان تركيا منذ تسعينيات القرن الماضي الذين أحرقت تركيا قراهم، حيث بلغ عدد القرى التي تعرضت للحرق إلى أكثر من 4000 قرية، فيمثل هدفاً ذا رمزية سياسية وأمنية لأنقرة. استهدافه يعني ضرب أحد أبرز رموز الذاكرة الجمعية للتهجير القسري، وإيصال رسالة بأن المجال الحيوي الكوردي، أينما وُجد، يبقى ضمن نطاق الاستهداف التركي.

وبهذا المعنى، فإن ما يجري في شنكال ليس ملفاً محلياً، بل حلقة أولى في سلسلة أوسع: من يسيطر على شنكال يفتح الطريق نحو إعادة رسم التوازنات في أربيل وقامشلو.

بتر الأوصال – سيمالكا وديريك ومشروع “الجدار العازل”

وبحسب معلومات وُصفت بالاستخبارية، يجري في بعض مناطق سلطة دمشق المؤقتة التي تقودها هيئة تحرير الشام، العمل على تشكيل قوة مسلحة تحت اسم “لواء القدس” في معسكرات مغلقة، من بينها معسكر في محيط حلب. وتشير التقارير إلى أن هذه القوة تُقدَّم بوصفها “تطوعية”، إلا أن غالبية عناصرها – وفق المصادر – هم مقاتلون سابقون جرى تجميعهم من مناطق مختلفة.

ويُقارن بعض المتابعين هذه الصيغة بتجارب سابقة لقوات رديفة ظهرت في العراق خلال حقب سابقة، حين تم تجنيد آلاف المسلحين تحت مسميات شعبية.

وفي الوقت نفسه، تتحدث معلومات عن نقل أسلحة ثقيلة بشكل سري من الرقة إلى الحسكة ومناطق أخرى، وسط تكتم رسمي، ما يعزز المخاوف من تحضيرات ميدانية لسيناريو أمني أوسع. وهنا تبرز منطقة “منقار البطة” في أقصى شمال شرق سوريا، حيث تقع ديريك ومعبر سيمالكا.

استهداف هذه المنطقة لا يمكن فهمه كهدف حدودي تقني، بل كجزء من مشروع فصل جغرافي دائم بين كورد العراق وكورد سوريا.

كما أن مساعي تركيا لربط معبر أوفاكوي التركي ومنطقة تلعفر التي يتواجد فيها التركمان بالعراق يشي بمحاولة إنشاء شريط عازل عربي–تركي يمتد على طول الحدود، بما يمنع أي تواصل استراتيجي بين الضفتين الكورديتين.

معبر سيمالكا تحديداً يشكل شرياناً اقتصادياً وإنسانياً وسياسياً بين روج آفا وإقليم كوردستان. إضعافه أو إخراجه من المعادلة يعني خنق روج آفا اقتصادياً وعزلها سياسياً. أما ديريك، فهي عقدة جغرافية تتحكم باتصال الحدود العراقية–السورية–التركية. السيطرة عليها أو محاصرتها تعني إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في كامل الشمال الشرقي السوري.

وفي هذا السياق، يصبح تشكيل قوى رديفة داخل سوريا، تحت مسميات جديدة، جزءاً من إعادة هندسة المشهد الأمني تمهيداً لتحركات أوسع. التجارب السابقة في العراق وسوريا تظهر أن مثل هذه التشكيلات تُستخدم لتغيير موازين القوى ميدانياً دون انخراط مباشر مكلف.

الضربة القاضية – المساس بالدستور العراقي وتفكيك الفيدرالية

الحلقة الأخطر في هذا المشروع لا تكمن في الهجمات العسكرية ذاتها، بل في الأثر السياسي–الدستوري المحتمل. فإضعاف القوى الدفاعية المحلية في شنكال، والضغط لإعادة ترتيب الملف الأمني هناك وفق تفاهمات إقليمية، قد يشكل مدخلاً لإعادة النظر في الصلاحيات الأمنية لإقليم كوردستان.

أي مساس بالبنية الدستورية العراقية، خصوصاً ما يتعلق بالفيدرالية وصلاحيات إقليم كوردستان، سيعني عملياً فتح الباب أمام تفكيك قوات البيشمركة أو إخضاعها لمنظومة مركزية ضعيفة لكنها أكثر قابلية للتأثر بالضغوط الخارجية.

وتحويل إقليم كوردستان من كيان فيدرالي يتمتع بصلاحيات واضحة إلى “محافظة موسعة” تابعة إدارياً لمركز هش، سيجرده من أدواته الدفاعية والسياسية، ويجعله أكثر عرضة للنفوذ الإقليمي وخصوصاً التركي.

ومن هذا المنظور، فإن شنكال ليست فقط ساحة صراع أمني، بل عقدة دستورية. نجاح نموذج الإدارة الذاتية الإيزيدية، أو تثبيت وضع قانوني خاص للمنطقة ضمن الدستور العراقي، قد يعزز فكرة اللامركزية. أما إفشاله بالقوة، فسيبعث برسالة معاكسة مفادها أن أي تجربة حكم محلي خارج الإطار الذي ترضى عنه القوى الإقليمية يمكن تفكيكها.

خلاصة استراتيجية

إن تزامن التصعيد التركي مع انشغال دولي بملفات أخرى يوفّر هامش حركة لأنقرة. غير أن قراءة التحركات كوقائع منفصلة تفوّت الصورة الكبرى. خنق شنكال ومخمور، بتر التواصل الجغرافي عبر سيمالكا وديريك، والضغط على الإطار الدستوري العراقي، ليست مسارات متوازية بل متكاملة.

الهدف النهائي لا يبدو احتلال أرض فحسب، بل إعادة صياغة المعادلة الكوردية برمتها: تفكيك شبكات الحماية المحلية، عزل الكيانات الكوردية عن بعضها، ثم إعادة إدماجها ضمن ترتيبات إقليمية تضمن تفوق أنقرة الاستراتيجي.

إن منع هذا السيناريو يتطلب تنسيقاً عالياً بين بغداد وأربيل، وضمانات دستورية واضحة، وحماية دولية فعلية للمجتمع الإيزيدي، إضافة إلى إدراك أن أي فراغ أمني في شنكال لن يبقى محلياً، بل سيرتد على كامل المعادلة في العراق وسوريا. ففي الجغرافيا الكوردية، تبدأ التحولات من الأطراف، لكنها لا تنتهي عندها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى