إيران في مهـ ـب التحول الكبير: زلـ ـزال “الغـ ـضب الملحمي” ورسم ملامح الجمهورية الثالثة

شكلت العمـ ـليات العسـ ـكرية الأخيرة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل تحت مسمى “الغـ ـضب الملحمي” و”الأسد الزائر” نقطة انعطاف تاريخية تجاوزت بآثـ ـارها مجرد تـ ـد..مـ ـير بنية تحتية عسـ ـكرية، لتصـ ـيب قلب الهيكل السياسي للنـ ـظام الإيراني. إن الهـ ـجـ ـوم الذي استهـ ـدف طهران لم يغير قواعد الاشتـ ـبـ ـاك فحسب، بل أوجد واقعاً جيوستراتيجياً جديداً وضع إيران والمنطقة بأسرها أمام مشهد لم يعهده العالم منذ ثورة 1979.

رحيل خامنئي: تصدع الهيكل وبداية النهاية

تمثل النقطة الجوهرية في هذا التحول في غياب “المرشد الأعلى” علي خامنئي، الذي كان يمثل حجر الزاوية في تماسك النظام الأيديولوجي والسياسي. إن رحيل خامنئي في ظل ضربات عسكرية خارجية واحتجاجات داخلية عارمة قد افتتح مرحلة جديدة تماماً؛ حيث يمكن القول بوضوح إن النظام “بصيغته السابقة” قد انهار فعلياً.

إيران اليوم لن تعود كما كانت؛ فالدولة التي كانت تدار عبر مركزية “الولي الفقيه” المطلقة تجد نفسها الآن أمام فراغ قيادي لا يمكن لمجلس مؤقت أو نخب عسكرية ردمه بسهولة. لقد فقد النظام هيبته الأمنية، وتلاشت قدرته على فرض السيطرة المطلقة، مما يجعل العودة إلى “الوضع السابق” أمراً مستحيلاً من الناحية الهيكلية والسياسية.

بين المقاومة المستحيلة والتسوية المرة

يبرز الآن تساؤل مصيري حول المسار الذي ستسلكه طهران في مواجهة هذا الواقع: هل تتجه نحو مقاومة طويلة الأمد أم تعتمد خيار التفاهم؟ القراءة الواقعية للمعطيات تشير إلى أن خيار المقاومة الطويلة شبه مستحيل؛ فإيران لا تمتلك القدرة العسكرية ولا الاقتصادية الكافية للصمود أمام آلة حربية متطورة وحصار خانق واستنزاف لمخزونات الصواريخ والمسيّرات التي دُمرت في الأيام الأولى.

علاوة على ذلك، فإن الإصرار على مسار “المقاومة” قد يدفع بالبلاد نحو منزلق الحرب أهلية، خاصة مع احتمال تحرك — أو تحريك — قوى اجتماعية وعرقية مختلفة التي ترى في وهن المركز فرصة تاريخية لنيل حقوقها. ومن هذا المنطلق، يُرجَّح أن تميل بقايا الإدارة الحالية إلى الانفتاح على التسوية. قد تظن هذه الإدارة أنها قادرة على إطالة عمرها عبر تقديم “تنازلات تكتيكية”، لكنها لم تعد في موقع القوة الذي يؤهلها للمناورة؛ فالقوى المهاجمة، وعلى رأسها واشنطن، لن تقبل بأقل من تغيير جذري في السلوك الإقليمي والبرامج التسليحية، وهو ما يعني في جوهره تفكيك ركائز “الثورة” تدريجياً.

معضلة البديل: رهان نجل الشاه وتحديات الداخل

تتمثل القضية الأساسية والشرخ الأعمق في شكل الإدارة القادمة. وفي حين تراهن إسرائيل وبعض الدوائر الغربية بشكل واضح على نجل الشاه، رضا بهلوي، كرمز للشرعية التاريخية القادرة على لمّ الشتات، إلا أن هذا الخيار يصطدم بعقبات كبرى.

أولاً، لا يحظى خيار “الملكية” بدعم كامل ومطلق من الإدارة الأمريكية التي تخشى تكرار تجارب “تنصيب الحكام” الفاشلة، وتفضل نموذجاً أكثر توافقاً مع القوى الديمقراطية والحركات الاحتجاجية على الأرض. ثانياً، والأهم، هو أن نجل الشاه — رغم محاولات الترويج الإعلامي الضخمة له في الخارج — لا يتمتع بقاعدة شعبية صلبة أو تنظيم سياسي متجذر داخل العمق الإيراني، حيث تنظر إليه أجيال شابة ولدت بعد الثورة كرمز للماضي البعيد، بينما تبحث هي عن بدائل تنبع من صميم معاناتها وتضحياتها في الشوارع.

إن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فنظام “الجمهورية الإسلامية” بنسخته الخمينية قد انتهى عملياً مع غياب رأسه وتحطم أسطورة الردع الخاصة به. وبينما تحاول النخب الحالية المساومة على البقاء، يظل شكل “إيران الثالثة” رهناً بقدرة القوى الداخلية على تنظيم نفسها، ومدى استعداد القوى الدولية لفرض واقع سياسي جديد لا يكتفي بإضعاف النظام، بل يضمن انتقالاً لا يغرق البلاد في فوضى الحروب الأهلية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى