مظاهرات في مناطق الحكومة السورية المؤقتة: تضامن مع فلسطين أم امتصاص لغضب الشارع بسبب التدهور الاقتصادي؟

تشهد مناطق سيطرة الحكومة السورية المؤقتة موجة مظاهرات خرجت تحت عنوان دعم فلسطين والتنديد بقرارات إسرائيلية تتعلق بالأسرى الفلسطينيين. ورغم أن هذه التحركات تبدو في ظاهرها تعبيراً طبيعياً عن تضامن شعبي واسع، إلا أن قراءة أعمق للسياق الداخلي تشير إلى أن السماح بها لا يأتي بمعزل عن حسابات السلطة في إدارة الشارع، خاصة في ظل تصاعد الأزمات المعيشية وتزايد حالة الاحتقان الشعبي.
في هذا الإطار، يبرز طرح واضح مفاده أن هذه المظاهرات ليست فقط مسموحاً بها، بل يتم غضّ الطرف عنها أو تشجيعها بشكل غير مباشر من قبل السلطة، كوسيلة لامتصاص الغضب الداخلي المتصاعد ضدها نتيجة التدهور الاقتصادي الملحوظ، وضعف في الخدمات، وتراجع في القدرة الشرائية.
ومع تزايد الضغوط على السكان، يصبح الشارع مهيأً للانفجار في وجه هذه السياسات. حيث تتدخل السلطة بطريقة غير مباشرة عبر فتح “صمام أمان” يتمثل في السماح بمظاهرات تتعلق بقضايا خارجية تحظى بإجماع شعبي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذه الخطوة لا تُلغي الغضب، لكنها تعيد توجيهه.
بمعنى أكثر وضوحاً، وبدلاً من أن يخرج الناس للاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية ومحاسبة الجهات المسؤولة، يتم توجيه هذا الزخم نحو التظاهر ضد طرف خارجي، ما يؤدي عملياً إلى تفريغ الشحنات الغاضبة بعيداً عن الداخل.
هذا النمط من التعامل مع الشارع يُفهم على أنه إدارة مقصودة للغضب الشعبي وليس صدفة سياسية، حيث تتحول المظاهرات إلى أداة لتخفيف الضغط عن السلطة، دون الحاجة إلى تقديم حلول حقيقية للأزمات القائمة. فطالما أن الشارع منشغل بقضية خارجية، فإن مستوى التوتر الداخلي ينخفض مؤقتاً، وتُؤجل المواجهة مع الأسباب الحقيقية للاحتقان.
الرسائل السياسية وتوظيف الشارع في الصراع الإقليمي
على المستوى السياسي، يمكن النظر إلى هذه المظاهرات كجزء من لعبة رسائل متعددة الاتجاهات. فإظهار الشارع في حالة تفاعل مع القضية الفلسطينية قد يُستخدم لتقديم صورة سياسية معينة أمام الأطراف الإقليمية والدولية، مفادها أن المنطقة ليست معزولة عن التفاعلات الكبرى في الشرق الأوسط.
كما أن تحويل الشارع إلى منصة تعبئة خارجية يمنح الفاعلين السياسيين هامشاً أوسع للمناورة في ملفات إقليمية شديدة الحساسية.
ومن بين هذه الملفات، العلاقات المعقدة مع القوى المسلحة الإقليمية، ومنها “حزب الله”، حيث يمكن استخدام الزخم الشعبي كغطاء سياسي غير مباشر لتخفيف أو تبرير مواقف أو تجنب خطوات تصعيدية.
البعد الإقليمي ودور الفاعلين الخارجيين
لا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الإقليمي الأوسع. فالساحة السورية، خصوصاً في الشمال، باتت مجالاً مفتوحاً لتقاطع النفوذ بين عدة أطراف إقليمية.
بعض الدول مثل تركيا، بحكم وجودها المباشر وتأثيرها الأمني والسياسي، قد ترى في هذا النوع من الحراك الشعبي وسيلة لإظهار انسجام سياسي مع المزاج الشعبي دون الدخول في مواجهات مباشرة.
كما يمكن لدول أخرى مثل السعودية أو أطراف إقليمية مختلفة أن توظف هذه اللحظات الرمزية لإرسال إشارات سياسية أو اختبار ردود الفعل، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالصراع العربي–الإسرائيلي.
بهذا المعنى، تتحول المظاهرات من مجرد فعل داخلي إلى مساحة رسائل غير مباشرة بين أطراف إقليمية تستخدم الجغرافيا السورية كساحة تعبير منخفضة الكلفة.
في ضوء ما سبق، لا تبدو مظاهرات دعم فلسطين في مناطق الحكومة السورية المؤقتة مجرد تعبير عفوي عن التضامن الشعبي، بقدر ما تعكس أسلوباً واضحاً في إدارة الشارع. فالسماح بهذه التحركات يأتي في توقيت يتصاعد فيه الغضب الداخلي نتيجة الأزمات المعيشية، ما يجعلها أداة فعّالة لإعادة توجيه هذا الغضب بعيداً عن السلطة وسياساتها.
وبينما يستمر الشارع في التعبير عن قضايا خارجية، يتم في المقابل تخفيف الضغط المباشر على الجهات المسؤولة عن الواقع الخدمي والاقتصادي، دون معالجة حقيقية للأسباب التي تقف خلف هذا الاحتقان. بهذا المعنى، تتحول المظاهرات إلى وسيلة لاحتواء الغضب أكثر من كونها أداة للتغيير، حيث يُعاد إنتاج الأزمة بدل حلّها، ويُؤجَّل الانفجار الداخلي عبر تصديره إلى الخارج.



