دمشق بين غضب الشارع والمناورة السياسية.. هل تفلت أوراق الابتـ ـزاز من سيطرة الشـ ـرع؟

لم تعد المظاهرات التي تشهدها مناطق سورية مجرد تعبير عفوي عن التضامن مع غزة، بل باتت أقرب إلى مشهد مُدار بعناية، تشارك فيه عناصر بلباس عسكري وترفع شعارات “الجهاد” والمواجهة المفتوحة مع إسرائيل والغرب. هذا التحول يكشف بوضوح عن دور مباشر للسلطة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، في توجيه الشارع واستثماره سياسياً، لا مجرد احتوائه.
المعطيات تشير إلى أن السلطة لا تكتفي بالسماح بهذه التحركات، بل تستخدمها كأداة مزدوجة: داخلياً لتفريغ الغضب الشعبي الناتج عن الانهيار المعيشي، وخارجياً كورقة ضغط على الأطراف الدولية. فرفع سقف الخطاب “الجهادي” يمنح دمشق هامش مناورة، عبر الإيحاء بأن البديل عن ضبطها هو انفلات قوى أكثر تشدداً يصعب السيطرة عليها.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن السماح بهذه التحركات في هذا التوقيت جاء من دائرة القرار الضيقة في السلطة في إجراء يهدف، في جانب منه، إلى تنفيس الاحتقان المتزايد في الشارع السوري نتيجة الأزمات المعيشية المزمنة. فمن خلال توجيه الأنظار نحو قضايا خارجية مشحونة عاطفياً، تسعى السلطة لصرف الانتباه عن الإخفاقات في الملفات الخدمية والاقتصادية، محاولةً إعادة تدوير شعارات المقاومة والجهاد كأداة لإشغال الرأي العام عن واقعه المأزوم.
لكن هذه اللعبة تحمل في طياتها مخاطرة حقيقية. فالعناصر ذات الخلفية الجهادية، التي يجري تحريكها اليوم ضمن هوامش محسوبة، لا تتحرك فقط وفق أوامر سياسية، بل وفق عقيدة راسخة قد تتجاوز حدود التوظيف المرحلي. وهنا يكمن التناقض الخطير: السلطة تحاول استخدام هذه القوى كأداة، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى ضمانات حقيقية لكبحها إذا خرجت عن السيطرة.
ويرى مراقبون أن أحمد الشرع يعيد إنتاج نموذج مألوف في سوريا، يقوم على توظيف الشارع المسلح أو المؤدلج كوسيلة ابتزاز سياسي. فكلما ارتفع منسوب الخطاب المتشدد في الشارع، ازدادت قدرة السلطة على التملص من الضغوط الدولية، عبر تقديم نفسها كخيار “أقل سوءاً” مقارنة بالفوضى المحتملة.
إقليمياً، لا يبدو هذا التصعيد منفصلاً عن حسابات أوسع، حيث تحاول دول مثل السعودية وتركيا الاستفادة من الساحة السورية كمساحة ضغط غير مباشر، في ظل إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. كما أن تصريحات دونالد ترامب حول الحماية الأمريكية أعادت خلط الأوراق، ودَفعت هذه الأطراف للبحث عن أدوات تأثير بديلة.
ورغم كل ذلك، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع العسكري تبقى واسعة. فالتلويح بخيارات “الجهاد” أو التصعيد لا يغيّر من حقيقة اختلال ميزان القوى، بل قد يدفع إسرائيل إلى التعامل مع الجنوب السوري كتهديد فعلي، ما يفتح الباب أمام تدخلات عسكرية أو فرض مناطق عازلة.
في النهاية، تبدو دمشق وكأنها تسير على حافة خطرة: سلطة توظف الجهاديين لضبط الشارع وابتزاز الخارج، وجهاديون قد يتحولون في أي لحظة إلى قوة منفلتة تتجاوز الحسابات السياسية. وإذا ما حدث هذا الانفلات، فلن تكون النتائج مجرد ضغط سياسي، بل احتمال انزلاق إلى فوضى أمنية أو مواجهة غير متكافئة قد تعصف بما تبقى من توازنات هشة في البلاد.



