سوريا على حافة الانهيار: الغلاء، الانفلات الأمني، وخطر التخوين يهدد المواطنين
خطاب التخوين يضع المنتقدين في دائرة الخطر والملاحقة

تتصاعد في سوريا موجة من الانتقادات الشعبية الحادة للأوضاع المعيشية والاقتصادية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار بشكل كبير يشمل الكهرباء والمحروقات والغاز والخبز وسلة المواد الأساسية، بالتوازي مع حديث واسع عن تدهور الأوضاع الأمنية في عدد من المناطق. وبينما تتسع رقعة الغضب الشعبي، يزداد الجدل حول طريقة تعامل السلطات مع هذا الواقع المتأزم، خصوصًا في ما يتعلق بخطاب الانتقاد العام.
انهيار معيشي متسارع وارتفاع صادم للأسعار
تبدو الأزمة الاقتصادية في سوريا، بحسب شهادات محلية ومتابعات ميدانية، وكأنها دخلت مرحلة أكثر حدة من أي وقت مضى، حيث باتت أسعار الكهرباء تُوصف بأنها “مرتفعة بشكل خيالي” مقارنة بالدخل، في وقت أصبحت فيه فاتورة الطاقة عبئًا يفوق قدرة معظم الأسر.
ولا يقتصر الأمر على الكهرباء، إذ يشير السكان إلى ارتفاع كبير في أسعار المحروقات والغاز المنزلي، ما انعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، من النقل إلى التدفئة إلى الإنتاج. كما طالت موجة الغلاء الخبز والمواد الغذائية الأساسية، لتتحول أبسط الاحتياجات إلى تحدٍّ يومي مرهق.
وفي ظل هذا الواقع، يرى كثيرون أن الفجوة بين الدخل والأسعار أصبحت غير قابلة للترميم، ما دفع شرائح واسعة نحو مستويات أعمق من الفقر والعجز المعيشي.
انفلات أمني وشعور متزايد بعدم الاستقرار
بالتوازي مع التدهور الاقتصادي، تتزايد الشكاوى من حالة الانفلات الأمني في بعض المناطق، حيث تتكرر حوادث السرقة والاضطرابات الفردية، مع حديث عن ضعف الاستجابة الأمنية في عدد من الحالات.
هذا الواقع، وفق سكان ومراقبين، خلق حالة من القلق العام وعدم الاستقرار، وجعل الحياة اليومية أكثر تعقيدًا، في ظل غياب شعور واضح بالأمان الاجتماعي والمعيشي في آن واحد.
خطاب التخوين وتقييد النقد والمخاطر المترتبة
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في سوريا يتمثل في أسلوب التعامل مع أي صوت ينتقد الأوضاع المعيشية أو الاقتصادية أو الأمنية. إذ يرى منتقدون أن كل من يتحدث عن ارتفاع الأسعار أو تدهور الخدمات أو الانفلات الأمني يُوضع على الفور في خانة “فلول النظام” أو يُتهم بأنه “مثير للفتنة”، وكأن مجرد وصف الواقع اليومي أصبح جريمة سياسية.
ويتجاوز الأمر الانتقاد النظري إلى مخاطر فعلية على حياة هؤلاء الأفراد، حيث يواجه كثيرون تهديدات بالسجن، أو ملاحقات قانونية، أو خوفًا مستمرًا على حياتهم وسلامتهم الشخصية، وفق شهادات ناشطين ومتابعين محليين. ويصف منتقدون هذه الممارسات بأنها وسيلة لإرهاب الرأي العام وإخراس كل صوت مخالف، ما يجعل الحديث عن الأزمات اليومية محفوفًا بالمخاطر.
ويرى هؤلاء أن هذا النهج لا يهدف إلى معالجة الأزمات أو البحث عن حلول، بل إلى إسكات أي صوت مخالف وتحويل النقاش العام إلى أداة لتأليب الرأي العام ضد المنتقدين، ويضيف إلى ذلك بُعدًا أمنيًا يضاعف من تضييق مساحة التعبير العام ويضع الحياة الشخصية للمنتقدين في دائرة الخطر.
من جهة أخرى، تؤكد جهات رسمية أن الهدف من هذا الخطاب هو الحفاظ على الاستقرار ومنع أي خطاب قد يزيد التوتر أو يهدد السلم الأهلي، في حين يرى منتقدون أن هذه المبررات أصبحت غطاءً لتقييد النقاش والسيطرة على كل أصوات المعارضة أو المنتقدة للوضع المعيشي، بما في ذلك من يرتبطون بالمجتمع المدني أو الصحافة المحلية.
ويرتبط هذا الأسلوب في إدارة الخطاب العام باسم رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، حيث يشير منتقدون إلى أن مرحلة توليه قيادة المرحلة الانتقالية شهدت تشددًا كبيرًا تجاه كل صوت ينتقد الوضع، حتى وإن كان مجرد توصيف واقعي لمعاناة المواطنين اليومية، مع استمرار المخاطر القانونية والشخصية على هؤلاء المنتقدين.
جدل حول العقوبات والدعم الدولي وغياب الأثر
في سياق موازٍ، شهد المشهد السوري تغييرات كبيرة على الصعيد القانوني للعقوبات بعد سقوط النظام السابق وتولي الإدارة الجديدة، حيث تم رفع معظم العقوبات الشاملة مع الإبقاء على قيود محددة. فقد أُعلن عن إلغاء قانون قيصر رسميًا في 18 ديسمبر 2025 بموجب موازنة الدفاع لعام 2026، كما أُلغي الحظر الاقتصادي العام للولايات المتحدة في يونيو 2025، ما حول سوريا من “دولة محظورة” إلى دولة تخضع لرقابة انتقائية. على الصعيد الأوروبي، رفع الاتحاد الأوروبي كافة العقوبات الاقتصادية والنفطية في 20 مايو 2025 لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار، مع الإبقاء على قوائم سوداء محدودة تستهدف أفرادًا أو كيانات بعينها بتهم تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان أو أحداث عنف خلال المرحلة الانتقالية.
رغم هذا التخفيف القانوني الكبير، يشير مراقبون إلى أن الواقع الاقتصادي والمعيشي لم يتحسن، بل يصف كثيرون الأوضاع بأنها ازدادت سوءًا مقارنة بما كانت عليه قبل رفع العقوبات. وفي الوقت نفسه، يلفت المراقبون إلى حجم الدعم الاقتصادي والإنساني الكبير الذي قدمته دول عربية وغربية لسوريا خلال وصول سلطة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى الحكم، والذي شمل مساعدات بمليارات الدولارات، إلا أن هذا الدعم لم يترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، مما يثير تساؤلات حادة حول فعالية إدارة الموارد وتوزيعها، وأسباب استمرار الأزمة الاقتصادية رغم فتح الأبواب أمام الاستثمار والدعم الدولي.
يبقى المشهد السوري معقدًا ومتداخلًا بين أزمات اقتصادية خانقة وضغوط معيشية متصاعدة، وبين تقييد مستمر لمساحة النقد العام وخطاب متشدد يضع كل صوت معارض أو منتقد في خانة التهديد السياسي. ورغم التغييرات الكبيرة في المشهد القانوني للعقوبات وفتح الأبواب أمام الدعم الدولي والاستثمار، لم تنعكس هذه الإجراءات على الواقع المعيشي للمواطنين، بل يصف كثيرون الوضع بأنه أسوأ من أي مرحلة سابقة.
ويؤكد المراقبون أن استمرار الانهيار الاقتصادي والاضطرابات الأمنية، إلى جانب تضييق حرية التعبير وتهديدات السجن والمخاطر الشخصية على المنتقدين، يجعل من الأزمة السورية مركبة متعددة الأبعاد، لا يمكن حلها بمجرد تخفيف العقوبات أو ضخ الدعم المالي، بل تتطلب إصلاحات حقيقية في إدارة الموارد، وضمان الشفافية، وفتح المجال لمناقشة الأزمات العامة دون خوف من التخوين أو الانتقام.
وفي هذا السياق، يظل السؤال الأهم: كيف يمكن للسلطة الانتقالية ضمان استقرار فعلي وحماية حياة المواطنين وحقوقهم، بينما تُستمر سياسات التخوين والتقييد التي تعمّق الهوة بين المواطن والدولة، وتزيد من تعقيد الأزمة بدل حلها؟



