مسار الاندماج بين الإدارة الذاتية ودمشق… تعقـ ـيدات الحكومة المؤقتة تعـ ـرقل التنفيذ
جوهر الخلاف: التزام الإدارة بالاندماج مقابل سعي دمشق للهيمنة المركزية

لا يزال ملف الاندماج بين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من جهة، والحكومة السورية المؤقتة في دمشق من جهة أخرى، يشكّل أحد أكثر الملفات حسـ ـاسية وتعقـ ـيداً في المشهد السوري الراهن، خصوصاً بعد توقيع اتفاق 29 كانون الثاني، الذي وُصف حينها بأنه محطة مفصلية قد تنقل العلاقة بين الطرفين من التوتـ ـر العسـ ـكري والإداري إلى مرحلة جديدة من الشراكة وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة في شمال وشرق سوريا.
ورغم مرور أشهر على توقيع الاتفاق، إلا أن مسار التنفيذ يسير ببطء واضح، وسط تصـ ـاعد الانتقـ ـادات من مؤسسات الإدارة الذاتية وفعاليات سياسية ومدنية في المنطقة، تعتبر أن الحكومة المؤقتة في دمشق هي الطرف الذي يعـ ـرقل استكمال تنفيذ بنود الاتفاق، عبر تأخير حسـ ـم ملفات أساسية، وربط بعضها باعتبارات سياسية وإدارية تتجاوز مضمون التفاهمات الأولية، ومحاولة الالتفاف على التزاماتها، في وقت تبدي فيه الإدارة الذاتية التزاماً كاملاً وتاماً بمسار الاندماج وتطبيق بنوده.
خطوات تنفيذية من جانب الإدارة الذاتية
وبحسب مصادر سياسية وإدارية في شمال وشرق سوريا، أبدت الإدارة الذاتية منذ توقيع الاتفاق استعداداً عملياً وجدية مطلقة للدخول في مسار الاندماج، وبدأت بالفعل اتخاذ خطوات تنفيذية ملموسة في عدد من الملفات دون أي تباطؤ.
ففي الجانب الإداري، جرى فتح قنوات تنسيق مباشرة بين مؤسسات الإدارة الذاتية وعدد من الوزارات والجهات التابعة للحكومة المؤقتة، خصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، اللذين شهدا اجتماعات متعددة خلال الأسابيع الماضية لبحث آليات توحيد بعض الإجراءات والخدمات، حيث قدمت الإدارة الذاتية كل التسهيلات لإنجاح هذه اللقاءات.
كما استمرت كوادر الإدارة الذاتية وموظفوها في العمل داخل المؤسسات الخدمية، ضمن ترتيبات انتقالية مرتبطة بمسار الاندماج، في خطوة اعتبرتها مصادر محلية دليلاً قاطعاً على رغبة الإدارة وحرصها على الحفاظ على استمرارية الخدمات وعدم خلق فراغ مؤسساتي، وإثباتاً لالتزامها بالانتقال السلس والمشترك.
وفي ملف المعابر، استمرت المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية في إدارة عدد من النقاط والمعابر وفق تفاهمات جديدة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية، بما يتماشى مع التفاهمات الخاصة بإعادة تنظيم حركة التجارة والعبور، مظهرةً مرونة عالية لتسهيل هذا الملف الحيوى.
أما عسكرياً، فقد بادرت الإدارة وبدأت خطوات جادة لإعادة هيكلة بعض التشكيلات العسكرية والأمنية، مع الإبقاء على الخصوصية التنظيمية في المرحلة الانتقالية، ريثما يتم التوصل إلى صيغ نهائية للاندماج ضمن المؤسسة الدفاعية السورية، وهو ما يثبت نيتها الصادقة في توحيد الجهود الدفاعية.
التعليم باللغة الكوردية.. الملف الأكثر حساسية وعرقلة دمشق له
ورغم الخطوات الجادة والمبادرات العملية السابقة التي قدمتها الإدارة الذاتية، يبرز ملف التعليم كأحد الشواهد الحية على عرقلة الحكومة المؤقتة لمسار الاندماج؛ فحتى الآن، لم تُحسم قضية الاعتراف الرسمي بالشهادات الصادرة عن جامعات ومؤسسات الإدارة الذاتية، وهو ملف يمس مباشرة عشرات آلاف الطلاب والخريجين في شمال وشرق سوريا، وتماطل الحكومة في حسمه رغم أنها اعترفت بشهادات مدارس وجامعات في إدلب ومناطق أخرى في سوريا خاضعة لسيطرة تركيا وفصائلها، مما يظهر بوضوح سياسة الكيل بمكيالين والتعنت غير المبرر تجاه أبناء المنطقة.
وتؤكد الإدارة الذاتية أن استمرار تجاهل وتأخير هذا الملف من قبل دمشق يخلق حالة من عدم اليقين لدى الطلبة، ويعطل تسوية واحدة من أهم القضايا التي كان يفترض أن تكون أولوية قصوى ومباشرة بعد توقيع الاتفاق.
إلى جانب ذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول مكانة اللغة الكوردية داخل النظام التعليمي المستقبلي بسبب جمود عقلية الحكومة المؤقتة؛ حيث تطالب الإدارة الذاتية باعتبار اللغة الكوردية لغة تعليم رسمية في المناطق ذات الغالبية الكوردية، انسجاماً مع الواقع الإداري والتعليمي المستقر والناجح والقائم منذ سنوات، ومع خصوصية المنطقة القومية والثقافية.
لكن، وفق مصادر تربوية، لم تُبدِ الحكومة المؤقتة مرونة كافية في هذا الملف، ولا تزال تعرقل الاعتراف الحقيقي عبر التمسك بمقاربة إقصائية أكثر مركزية تضع اللغة العربية في موقع شبه حصري داخل النظام التعليمي، مع طرح صيغ خجولة ومحدودة للكوردية لا ترقى، بحسب منتقدين، إلى مستوى الاعتراف الفعلي أو الشراكة الوطنية الحقيقية.
وترى أوساط تربوية في شمال وشرق سوريا أن محاولة الحكومة المؤقتة فرض نموذج تعليمي مركزي يتجاهل تجربة الإدارة الذاتية ومناهجها ولغاتها هي العقبة الأساسية التي تعقد مسار الاندماج وتفرغه من مضمونه التعددي.
عدم الاعتراف بوحدات حماية المرأة (YPJ)
وإحدى أكثر النقاط إثارة للجدل والتي تقف الحكومة المؤقتة عقبة في طريق تنفيذها تتعلق بمستقبل وحدات حماية المرأة (YPJ).
ففي حين تؤكد الإدارة الذاتية، الملتزمة بخصوصية وتاريخ المنطقة، أن هذه الوحدات تمثل مكوّناً أساسياً لا يمكن التنازل عنه ضمن المنظومة الدفاعية والاجتماعية في شمال وشرق سوريا، وترمز إلى تجربة سياسية وعسكرية رائدة مرتبطة بدور المرأة الفاعل، ترفض الحكومة المؤقتة بدمشق حتى الآن منحها اعترافاً مستقلاً ضمن هيكلية وزارة الدفاع، متمسكةً بعقلية نمطية تعرقل هذا الملف الجوهري.
ويثير هذا الرفض الحكومي استياءً واسعاً لدى المؤسسات النسائية في المنطقة، التي تعتبر أن استبعاد وحدات حماية المرأة من قبل دمشق لا يعكس فقط خلافاً عسكرياً، بل يحمل أيضاً أبعاداً سياسية واجتماعية إقصائية تتعلق بموقع المرأة وتمثيلها داخل مؤسسات الدولة الجديدة التي تصر الحكومة على أن تكون سمتها الأساسية تفرد الرجل بكل شيء وإلغاء دور المرأة الريادي.
وكانت فعاليات نسائية ومنصات مدنية أطلقت خلال الأسابيع الماضية حملات واسعة داعمة لمطلب إشراك YPJ ضمن مسار الدمج، معتبرة أن تجاهل هذا الملف من قبل دمشق يعني إقصاء تجربة كاملة فريدة تشكلت وحمت المنطقة خلال سنوات الحرب وأصبحت مضرباً للمثل في مختلف أنحاء العالم.
وتقول مصادر سياسية إن الإدارة الذاتية أبدت مرونة فائقة وتسهيلات كبرى في عدد من الملفات العسكرية، إلا أنها تعتبر ملف YPJ خطاً أحمر وجزءاً جوهرياً من أي تفاهم مستقبلي، وليس تفصيلاً هامشياً يمكن للحكومة تجاوزه أو شطبه.
تباطؤ دمشق في ملف الأسرى والمهجرين
ومن الملفات الأخرى التي تظهر بوضوح عرقلة الحكومة المؤقتة وتباطؤها غير المبرر، ملف تبادل الأسرى وعودة المهجرين. ورغم أن الإدارة الذاتية بادرت والتزمت بجميع الدفعات السابقة من عمليات تبادل الأسرى، إلا أن العملية توقفت خلال الأسابيع الأخيرة من طرف دمشق، وسط غياب تام لتوضيحات رسمية من جانبها حول أسباب هذا التأخير المتعمد.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الحكومة المؤقتة تسعى لابتزاز الطرف الآخر عبر ربط استكمال الإفراجات الإنسانية بعدة ملفات إدارية وسياسية أخرى، بينها ترتيبات تخص فرض هيمنة مؤسسات حكومية ومسارات دمج التفافية أخرى.
هذا الربط والتعنت الحكومي أثار غضب ذوي الأسرى في شمال وشرق سوريا، الذين ينظمون احتجاجات شبه يومية للتنديد بعرقلة دمشق والمطالبة بالإفراج عن أبنائهم وعدم تحويل هذا الملف الإنساني البحت إلى ورقة ضغط سياسية بيد الحكومة.
وكذلك، تعثرت عمليات عودة المهجرين لا سيما إلى عفرين ورأس العين بسبب العراقيل الحكومية وعدم اتخاذ دمشق لخطوات جادة لتسهيل عودتهم، رغم أن هذا الملف كان ركيزة أساسية وتعهداً صريحاً في تفاهمات الاتفاق، ويرى متابعون أن استمرار تعطيل دمشق لهذه الملفات الحساسة ينسف الثقة المتبادلة ويزيد الضغوط الشعبية على مسار التفاهم المشترك الذي تلتزم به الإدارة.
القصر العدلي والخلاف على المؤسسات
كما برز ملف القصر العدلي في قامشلو باعتباره أحد أوجه العرقلة الجديدة التي تمارسها دمشق؛ فبعد زيارة وفد من وزارة العدل التابعة للحكومة المؤقتة، ظهرت خلافات حادة تسببت بها المقترحات الإقصائية للوفد الحكومي حول آلية إدارة المؤسسة القضائية ومستقبل العاملين فيها.
وبحسب معلومات متداولة، طرحت الحكومة المؤقتة مقاربة إلغائية تقوم على إعادة هيكلة واسعة للمؤسسة القضائية، تهدف صراحة إلى استبعاد كوادر الإدارة الذاتية ذوي الخبرة وتعيين كوادر محسوبة على السلطة وعلى نظام حزب البعث البائد في محاولة واضحة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لكن الإدارة الذاتية، الحريصة على تسيير شؤون المواطنين وقوانينهم، تنظر إلى هذه المقاربة الحكومية باعتبارها محاولة التفافية لإعادة ضبط وفرد السيطرة على المؤسسات المحلية وفق نموذج مركزي سلطوي لا ينسجم مع روح التفاهمات السابقة، خصوصاً أن المؤسسات القضائية والإدارية في المنطقة تطورت ونجحت خلال السنوات الماضية ضمن سياق أثبت كفاءته علمياً وقانونياً.
وتؤكد مصادر قانونية أن الإدارة الذاتية محقة في تمسكها بكوادرها؛ إذ إن أي عملية دمج ناجحة يجب أن تستفيد من الخبرات المحلية القائمة التي حافظت على القضاء طوال السنين، لا أن تبدأ من منطق الإلغاء والإقصاء أو إعادة التأسيس من الصفر الذي تسعى إليه دمشق.
تمثيل المرأة والإدارة المحلية
وإلى جانب الملفات السابقة، تبرز عقبة إضافية تضعها دمشق وتتعلق بتمثيل المرأة داخل المؤسسات الجديدة. فالإدارة الذاتية، التي تلتزم التزاماً مبدئياً بنظام الرئاسة المشتركة والتمثيل المتوازن بين الجنسين بنسبة متساوية في مختلف المؤسسات، تعتبر هذا الملف جزءاً بنيوياً هوياتياً لا يمكن المساومة عليه في تجربتها السياسية.
لكن هذا النموذج التعددي والمنصف اصطدم بعرقلة الحكومة المؤقتة التي لم تعكسه حتى الآن في التعيينات والترتيبات التي جرت ضمن مسار التنسيق، حيث سُجل غياب تام ومقصود للنساء من طرف دمشق عن بعض المواقع الأساسية المشتركة.
وتعتبر فعاليات نسائية في المنطقة أن هذه المؤشرات الحكومية السلبية تعكس فجوة عميقة وسعياً من دمشق لتقويض مكتسبات المرأة، مما يشكل عائقاً كبيراً أمام التفاهم المشترك وبنية الإدارة والتمثيل السياسي والاجتماعي العادل.
جوهر الخلاف: التزام الإدارة بالاندماج مقابل سعي دمشق للهيمنة المركزية
ووفق مراقبين، يظهر جلياً أن الخلاف بين الطرفين لا يكمن في رغبة الإدارة الذاتية بالاندماج؛ فالإدارة تؤكد وتبرهن يومياً على التزامها الكامل بمسار الاندماج الوطني الفاعل ضمن دولة سورية موحدة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على مكتسبات وخصوصية شمال وشرق سوريا، بما يشمل التعددية القومية واللغوية، واللامركزية الإدارية، ودور المرأة القيادي، واستمرارية عمل المؤسسات المحلية بكوادرها الحالية.
وفي المقابل، فإن العرقلة تكمن في سعي الحكومة المؤقتة لفرض نموذج مركزي تقليدي شمولي، يهدف إلى ابتلاع مؤسسات المنطقة وإعادة دمجها قسراً ضمن هرمية موحدة تخضع مباشرة للمركز في دمشق دون أي اعتبار للخصوصيات المحلية أو التفاهمات الموقعة.
ويرى متابعون أن هذا التعنت والتمسك بالمركزية من قبل دمشق هو التفسير الوحيد والأساسي لبطء التنفيذ والتعثر المستمر والمتعمد في كافة الملفات الخدمية والعسكرية والقضائية.
مستقبل الاتفاق
ومع استمرار الاجتماعات واللجان المشتركة، لا يزال اتفاق 29 كانون الثاني قائماً من حيث المبدأ بفضل التزام الإدارة الذاتية وحرصها على إنجاحه، لكن نجاحه العملي بات مرهوناً بالكامل بمدى تخلي الحكومة المؤقتة بدمشق عن عوازلها وعراقيلها، وقدرتها على إظهار جدية حقيقية لتجاوز الملفات الأكثر حساسية.
وتقول مصادر متابعة إن الأسابيع المقبلة ستضع دمشق أمام اختبار حقيقي، خصوصاً في ملفات التعليم، الاعتراف بالشهادات، YPJ، تبادل الأسرى، وإدارة المؤسسات المحلية بعدالة وتشاركية.
وفي ظل استمرار الإدارة الذاتية باتخاذ خطوات تنفيذية أحادية الجانب لتطبيق الاتفاق وتسهيل عمل اللجان، تتصاعد في المقابل الاتهامات الشعبية والسياسية بأن دمشق لا تزال تتعامل بعقلية أمنية، وتتعمد تأخير حسم ملفات جوهرية لإفشال مسار الاندماج وجعله عملية بطيئة ومفتوحة على احتمالات الفشل والتراجع.
وبين التزام الإدارة الذاتية الصادق ببناء شراكة وطنية حقيقية جديدة، ومحاولات دمشق المستمرة للعرقلة والفرض المركزي للسيطرة والإدارة والهوية، يبقى ملف الاندماج اختباراً حاسماً للمرحلة السورية الجديدة، لتحديد ما إذا كانت دمشق قادرة على قبول الشراكة اللامركزية أم أنها ستظل تعيق استقرار البلاد ومستقبل العلاقة بين المركز والأطراف في سوريا عموماً.



