إلقاء نظرة أعمق على الاقتصاد السوري: هل ستكون هناك مساءلة أم استمرار لنهج المحسوبيات في عهد الأسد؟”

 

سلّط تقرير نشره موقع Just Security الأمريكي الضوء على مستقبل الاقتصاد السوري بعد سقوط نظام الأسد، محذّراً من مخاطر إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبيات القديمة تحت إدارة المرحلة الانتقالية.

وجاء في التقرير:

بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، تجد سوريا نفسها أمام مرحلة انتقالية حساسة تتأرجح بين إعادة إنتاج الماضي أو الشروع في إصلاح حقيقي. فالاقتصاد الذي ورثته السلطات الانتقالية يعاني من فساد عميق وهيمنة شبكات المحسوبيات، ما يفرض إعادة التفكير في شكل الاقتصاد السوري: من يشارك فيه، وكيف تُدار موارده، وما إذا كان بالإمكان تحقيق مساءلة حقيقية عن تورط الشركات ورجال الأعمال في انتهاكات جسيمة خلال سنوات الحرب.

في ظل حكم الأسد، بُني الاقتصاد السوري على نظام قائم على الامتيازات والولاءات، حيث سيطرت مجموعة صغيرة من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام على القطاعات الحيوية. هؤلاء لم يكونوا مجرد مستفيدين اقتصاديين، بل كانوا جزءاً من منظومة دعمت القمع وساهمت في استمرار الحرب والانتهاكات الواسعة خلال أكثر من عقد من الصراع.

أما اليوم، فإن إدارة المرحلة الانتقالية تتعامل مع الملف الاقتصادي عبر قرارات متفرقة ولجان غير شفافة، ما يثير مخاوف من استبدال مرحلة المحسوبيات القديمة بأخرى جديدة، دون تأسيس حقيقي لسيادة القانون أو مكافحة الفساد بشكل منهجي.

لذلك، فإن إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب إدماج العدالة والمساءلة ضمن عملية الانتقال، بما يشمل محاسبة الشركات والأفراد المتورطين في الانتهاكات.

علاقة رجال الأعمال بالدولة في عهد الأسد

على مدى عقود، تدهورت العلاقة بين القطاع الخاص والمجتمع السوري نتيجة تشكّل طبقة اقتصادية مرتبطة مباشرة بالنظام. فمنذ عهد حافظ الأسد ثم ابنه بشار، أصبح الوصول إلى الثروة والفرص الاقتصادية مرتبطاً بالولاء السياسي بدلاً من المنافسة أو الكفاءة.

هذه الطبقة الاقتصادية عملت كذراع مالية للنظام، مستفيدة من الاحتكارات والرشاوى والعقود الحصرية. أي نجاح اقتصادي خارج هذه الدائرة كان غالباً يُقابل بالضغط أو الإقصاء أو فرض الإتاوات.

ومن أبرز هذه الشخصيات رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، الذي سيطر على أجزاء واسعة من الاقتصاد السوري، وخاصة قطاع الاتصالات الذي احتكره بشكل شبه كامل قبل الحرب. كما برز محمد حمشو الذي نشط في عدة قطاعات اقتصادية وتولى أدواراً سياسية بفضل قربه من دوائر السلطة.

وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على هؤلاء وغيرهم بسبب علاقتهم الوثيقة بالنظام، واستفادتهم من الفساد، ودورهم في دعم العنف خلال الحرب.

اقتصاد الحرب والتورط في الانتهاكات

بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعمقت علاقة رجال الأعمال بالنظام، حيث تحولوا إلى داعمين أساسيين لاستمرار الحرب.

لم يقتصر دورهم على الدعم المالي، بل شمل أيضاً:

توفير الدعم اللوجستي والعيني للجيش

تمويل فعاليات ومظاهرات مؤيدة للنظام

دعم تشكيل ميليشيات محلية موالية

المشاركة في أنشطة مرتبطة بالقمع العسكري

بعض هذه الميليشيات تورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مثل “قوات الدفاع الوطني” وميليشيات أخرى شاركت في حصارات ومعارك دامية.

كما استفاد بعض رجال الأعمال من اقتصاد الحرب عبر مشاريع إزالة الأنقاض وبيع المواد المستخرجة من المناطق المدمرة، وهو ما يثير شبهات حول أعمال نهب منظمة قد ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي.

إعادة الإعمار كأداة لإعادة تشكيل المجتمع

استخدم النظام السوري مشاريع إعادة الإعمار كأداة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية في العاصمة دمشق. فقد صدرت قوانين مثل المرسوم 66 الذي استهدف مناطق سكنية اعتُبرت مراكز احتجاج، وتمت إعادة تنظيمها تحت غطاء “التطوير العمراني”.

لكن هذه المشاريع أدت عملياً إلى تهجير سكان أصليين من منازلهم، مع وعود بالتعويض أو بدائل سكنية لم تُنفذ في كثير من الحالات.

تحولت هذه المناطق لاحقاً إلى مشاريع استثمارية ضخمة مثل “ماروتا سيتي”، التي استفاد منها رجال أعمال مقربون من النظام عبر عقود تطوير مربحة، في إطار ما وُصف بإعادة إنتاج الثروة لصالح النخبة.

سقوط النظام والتحولات الاقتصادية

مع انهيار نظام الأسد في نهاية عام 2024، غادر العديد من رجال الأعمال المرتبطين به البلاد، متجهين إلى بيروت ودبي وموسكو حيث يمتلكون استثمارات سابقة.

ورثت السلطة الانتقالية اقتصاداً منهكاً نتيجة عقود من الفساد والحرب، وتواجه تحديين متوازيين: إعادة تشغيل الاقتصاد، وفي الوقت نفسه معالجة إرث الفساد والانتهاكات.

لكن ظهرت مخاوف من استمرار التعامل مع بعض الشخصيات الاقتصادية القديمة، إضافة إلى غياب الشفافية في العقود الاستثمارية الجديدة.

مكافحة الفساد وإعادة هيكلة الاقتصاد

بدأت السلطات الانتقالية إجراءات مثل تجميد أصول بعض رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، وتشكيل لجان لمراجعة الثروات المشبوهة.

إلا أن هذه العمليات تفتقر إلى الشفافية الكاملة، حيث جرت بعض “التسويات المالية” خارج إطار قضائي واضح، ما أثار تساؤلات حول مدى جديتها في تحقيق العدالة.

كما شددت تقارير على أن هذه التسويات لا تعني إعفاء قانونياً من المحاسبة، بل تبقى المساءلة القضائية مفتوحة نظرياً.

نموذج التنمية الجديد

تعتمد الحكومة الانتقالية على نموذج السوق الحر وجذب الاستثمارات الأجنبية، لكن أغلب المشاريع المعلنة تركز على الأبراج والمجمعات التجارية الفاخرة، بدلاً من إعادة إعمار المناطق السكنية المتضررة.

هذا التوجه قد يساهم في تحسين السيولة الاقتصادية، لكنه يثير مخاوف من استمرار نمط التنمية غير العادل، الذي يخدم فئة محدودة على حساب غالبية السكان.

حتى الآن، تُدار المرحلة الانتقالية عبر قرارات سريعة وغير شفافة، ما يهدد بإعادة إنتاج نموذج الاقتصاد القائم على المحسوبيات، وإن كان بأسماء جديدة.

ورغم إعلان مكافحة الفساد، فإن غياب الشفافية في العقود الاستثمارية واستمرار التعامل مع بعض شبكات النظام السابق يثير تساؤلات حول مدى عمق الإصلاح الحقيقي.

إن إعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تتم عبر صفقات مغلقة أو مشاريع نخبوية، بل تتطلب تحولاً جذرياً يقوم على الشفافية، وسيادة القانون، ووضع احتياجات المواطنين في قلب العملية الاقتصادية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى