خـ ـطر الإخـ ـوان يطرق أبواب سوريا الجديدة.. تحديات أمـ ـنية وسياسية تهـ ـدد الاستقرار

بعد سقـ ـوط نظـ ـام حزب البعث وعائلة الأسد في 8 كانون الأول 2024، وصعود سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع (أبـ ـو محـ ـمد الجـ ـولاني سابقاً) وتحول الحـ ـركة الإسـ ـلامـ ـية نحو “النـ ـزعة المحلية”، تبرز إلى السطح تحديات استراتيجية وأمـ ـنية كبرى ومخـ ـاوف من استغلال بعض القوى لهذا التحول؛ وعلى رأسها تحـ ـركـ ـات تنـ ـظـ ـيـ ـم الإخـ ـوان المسـ ـلمين، والمخططات التركية لتوطـ ـين عنـ ـاصـ ـره، بالإضافة إلى تمـ ـدد جمـ ـاعـ ـات مـ ـسلـ ـحة أجنبية ومصرية معـ ـارضة على الأراضي السورية، مما يهـ ـدد استقرار الدولة الوطنية الناشئة.

تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا.. جذور الصراع وواقع الهامشية الحالي

وتُعدّ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا من أقدم الحركات الإسلامية السياسية في المنطقة؛ إذ ترتبط جذورها بالفكر العالمي للتنظيم الذي أسسه حسن البنا في مصر عام 1928. وتأسست الجماعة رسمياً في سوريا عام 1945 على يد الدكتور مصطفى السباعي، بعد جهود لتوحيد الجمعيات الإسلامية بدأت عام 1942 وبحضور قيادات من التنظيم الدولي مثل سعيد رمضان.

تاريخ من العنف والصدام الدموي

مرت الجماعة بمحطات صراع مسلح متتالية مع الحكومات السورية، بلغت ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي عبر انخراطها في أعمال عنف وتفجيرات، كان من أبرزها الهجوم على مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، وهو ما جلب مواجهة دموية شاملة مع نظام حافظ الأسد بلغت ذروتها في أحداث حماة عام 1982، وأدت إلى حظر الجماعة وفرار قياداتها إلى الخارج وعقود من التهميش.

محاولات الركوب على أحداث 2011

ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، حاولت الجماعة العودة إلى المشهد عبر الهيمنة على المنصات السياسية كالمجلس الوطني السوري، وتأسيس ذراع سياسي ممثلاً بحزب “وعد”، فضلاً عن محاولة بناء نفوذ عسكري عبر تشكيل فصائل صغيرة مثل “هيئة دروع الثورة” و”هيئة حماية المدنيين” التي اندمجت لاحقاً في “فيلق الشام”.

الواقع الحالي وعزلة المجتمع

وتشير المعطيات الحالية في سوريا إلى تراجع حاد في شعبية الإخوان المسلمين داخل البلاد والرفض الشعبي التام لأي دور سياسي لهم، نظراً لتاريخهم الدموي المتأصل، وصراعاتهم مع التيارات العلمانية والوطنية، واتهامهم بالفشل التنظيمي والتبعية المطلقة للمحاور الخارجية.

خطورة الإخوان وضرورة إبعادهم عن مؤسسات ومراكز نفوذ الدولة

وبرزت جماعة الإخوان المسلمين مؤخراً محاولةً استغلال صعود “هيئة تحرير الشام” والسلطة الجديدة في البلاد، ورغم أن تأثيرها السياسي الحالي يبدو محدوداً ومهمشاً بفعل تقدم القوى العسكرية الميدانية، إلا أن غالبية التقارير والترجيحات الأمنية تحذر من خطط الجماعة للاندماج والتغلغل في المؤسسات الناشئة للاستعانة بها في المستقبل القريب وتحقيق مآربها السلطوية.

وتكمن الخطورة الفكرية والتنظيمية للإخوان في مرونتها البراغماتية العالية؛ حيث يسعى قادة التنظيم (أمثال المراقب العام الحالي محمد حكمت وليد، وسلفه علي صدر الدين البيانوني) إلى التكيف مع الواقع الجديد وحجز مقاعد في قاطرة الإدارة الوطنية لتعويض انعدام قاعدتهم الاجتماعية.

تطهير المؤسسات ومؤشرات إقصاء التنظيم

وتؤكد الدراسات التحليلية للمشهد السوري على الضرورة القصوى لإبعاد جماعة الإخوان المسلمين عن جميع المؤسسات السورية الرسمية، والمدنية، والدينية، ومراكز صنع القرار والنفوذ. وثمة مؤشرات عملية على إدراك السلطة الجديدة في دمشق لهذا الخطر؛ وتمثل ذلك في الإجراءات الصارمة المتخذة لتوحيد المرجعية الدينية السنية وحل “المجلس الإسلامي السوري” وهيئاته (مثل مجلس الإفتاء ومجلس القراء) في 28 حزيران 2025، وهي خطوة فسرها مراقبون بأنها تهدف صراحة إلى تفكيك نفوذ الإخوان المسلمين وإخراجهم من دوائر التأثير العام بعد أن نجحوا في وقت سابق في التغلغل داخل لجان ذلك المجلس.

الدور التركي.. تحويل الشمال السوري إلى ملاذ وتوطين لعناصر الإخوان

وتكشف التقارير الميدانية والسياسية عن قيام الدولة التركية بتحويل مناطق الشمال السوري إلى ملاذ آمن كبير لتنظيم الإخوان المسلمين وفصائلهم الموالية، مستغلة اتفاقيات خفض التصعيد السابقة ونفوذها العسكري المباشر في مناطق مثل “درع الفرات” و”غصن الزيتون”.

وتشير المعلومات الموثقة إلى أن جهاز الاستخبارات التركي يقوم بعمليات توطين ونقل واسعة لجميع مسؤولي وأعضاء الإخوان المسلمين من مختلف الجنسيات إلى داخل الأراضي السورية.

وجاءت هذه الخطوة التركية نتيجة لضغوط دولية وإقليمية مكثفة تعرضت لها أنقرة لتقويض نفوذ تيارات الإسلام السياسي على أراضيها، مما دفع الاستخبارات التركية إلى استخدام الجغرافيا السورية كـ “مكب نفايات سياسي وأمني” لهؤلاء العناصر، وتوفير الدعم المالي واللوجستي لهم لإنشاء شبكات مصالح واقتصاد حرب في سوريا، مما يهدد الأمن القومي لسوريا.

جماعات أجنبية مسلحة ومعارضة مصرية داخل سوريا

ولم يقتصر الأمر على توطين الكوادر السياسية، بل تحولت سوريا نتيجة سنوات الفوضى والتدخلات الخارجية وعلى رأسها تركيا إلى ساحة لتجمع جماعات مسلحة أجنبية عابرة للحدود.

وبات الشمال السوري يغص بجماعات أجنبية مسلحة وافدة؛ من أبرزها “الحزب الإسلامي التركستاني” (المسلحون الإيغور)، فضلاً عن جماعات مسلحة أجنبية تضم عناصر مصرية معارضة لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وتتحرك هذه الجماعات المصرية والأجنبية بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام، مستفيدة من التمويل الخارجي والغطاء اللوجستي الذي توفره البيئة المضطربة في الشمال، ومحتمية بوجود فصائل مثل “فيلق الشام” الواجهة العسكرية المقربة من الإخوان، مما يجعل وجود هذه العناصر الأجنبية المسلحة بمثابة “قنبلة موقوتة” تهدد بعودة سيناريوهات الإرهاب العابر للحدود، وتعرقل أي مساعٍ لبناء دولة سورية حديثة ومستقرة تقوم على أساس القانون والمواطنة والسيادة الوطنية الخالصة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى