المخـ ـابرات التركية تحاول تفـ ـكيك “الشعب الجمهوري” عبر إدخال عمـ ـلاء والذريـ ـعة الكوردية

تشهد الساحة السياسية في تركيا تصـ ـعيداً غير مسبوق داخل صفوف المعارضة، مع تفـ ـاقم الأزمـ ـة التنظيمية والقضـ ـائية التي تضـ ـرب حزب الشعب الجمهوري CHP، أكبر أحزاب المعارضة التركية، وسط اتهـ ـامات متزايدة لأجهزة الاستخـ ـبارات التركية بالتدخل المباشر لإعادة تشكيل التوازنات داخل الحزب، بهدف إضعاف رئيسه الحالي أوزغور أوزيل ومنع تشكل تحالف سياسي مع الأحزاب الكوردية قد يهـ ـدد هيمنة حزب العدالة والتنمية الحاكم في أي انتخابات مقبلة.
وتزامنت هذه الاتهـ ـامات مع التطورات المتسارعة التي أعقبت قرار محكمة في أنقرة إبطال المؤتمر العام الـ38 للحزب، الذي انتُخب خلاله أوزغور أوزيل رئيساً للحزب عام 2023، وإعادة الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب بصورة مؤقتة، في خطوة اعتبرتها المعارضة “انقلاباً سياسياً مغلفاً بالقضاء”.
مخاوف السلطة من التحالف الكوردي
وبحسب معطيات سياسية متداولة داخل الأوساط المعارضة، ترى أجهزة الاستخبارات التركية المرتبطة بالسلطة الحاكمة أن تحركات أوزيل لبناء تفاهمات سياسية مع الأحزاب الكوردية، وعلى رأسها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للكورد، تمثل تهديداً مباشراً لمصالح حزب «العدالة والتنمية» ورئيسه رجب طيب إردوغان، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الفرعية واحتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
وتعتبر دوائر الحكم التركية أن أي تقارب بين الشعب الجمهوري والقوى الكوردية قد يعيد إنتاج تجربة الانتخابات البلدية لعام 2024، عندما تمكنت المعارضة من تحقيق اختراقات واسعة في المدن الكبرى بدعم غير مباشر من القاعدة الكوردية، الأمر الذي أدى إلى تراجع شعبية الحزب الحاكم وخسارته عدداً من البلديات الاستراتيجية.
وتذهب بعض المصادر إلى أن المؤسسة الأمنية التركية تنظر إلى هذا التقارب باعتباره “تهديداً للأمن القومي”، في ظل الخطاب الرسمي الذي يربط الأحزاب الكوردية المعارضة بملفات الأمن الداخلي والصراع مع حزب العمال الكردستاني.
محاولات لاختراق الحزب من الداخل
وفي سياق هذه الأزمة، برز اسم عزت أولفي يونتر، نائب رئيس حزب «الحركة القومية» (MHP)، الحليف الرئيسي لحزب العدالة والتنمية، وسط معلومات تتحدث عن مساعٍ لدفعه أو شخصيات مقربة منه للعب دور داخل المشهد المرتبط بحزب الشعب الجمهوري، في إطار محاولات خلق انقسامات داخلية وتشتيت مراكز القوة المحيطة بأوزيل.

ويُعرف يونتر، المولود عام 1976 في منطقة توزلا، بخطابه القومي الحاد وعدائه التقليدي لحزب الشعب الجمهوري، كما يُعد من أبرز الوجوه المقربة من قيادة حزب الحركة القومية. وتشير بعض المصادر إلى وجود تباين داخل أجهزة الاستخبارات نفسها بشأن جدوى الدفع به أو بأشخاص محسوبين عليه نحو المشهد الداخلي للحزب المعارض، إذ ترى أطراف أمنية أن الوقت الحالي غير مناسب لهذه الخطوة خشية نتائج عكسية قد تزيد من تماسك المعارضة.
اقتحام مقر الحزب يشعل الغضب
الأزمة بلغت ذروتها بعد اقتحام قوات الشرطة التركية مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة، بناءً على طلب من كمال كليتشدار أوغلو عقب قرار المحكمة، في خطوة أثارت صدمة واسعة داخل الشارع التركي، واعتُبرت سابقة خطيرة بحق الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك.
ورغم أن كليتشدار أوغلو عاد إلى رئاسة الحزب بقرار قضائي مؤقت، إلا أن غالبية نواب الحزب وقياداته الميدانية وقفت إلى جانب أوزيل، الذي واصل إدارة الحزب من داخل مقر المجموعة البرلمانية في البرلمان التركي، مدعوماً بأكثر من 110 نواب من أصل 138.
كما تعرض كليتشدار أوغلو لموجة انتقادات واسعة داخل القواعد الشعبية للحزب، حيث خسر مئات آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، واتُهم من قبل شخصيات معارضة بالانخراط في ما وصفوه بـ«مؤامرة القصر» الهادفة إلى إعادة إضعاف الحزب بعد صعوده السياسي اللافت في عهد أوزيل.
شروط “تعجيزية” وصراع مفتوح
وكشفت مصادر سياسية أن كليتشدار أوغلو اشترط لإجراء مؤتمر عام جديد للحزب خلال 40 إلى 45 يوماً، إبعاد عدد من أبرز قيادات أوزيل، وعلى رأسهم علي ماهر باشارير وبرهان الدين بولوط وولي أغبابا وأوموت أكدوغان، وهم شخصيات تُعرف داخل الحزب باسم “مجموعة الصقور”، وتشكل العمود الفقري للتيار الداعم لأوزيل.
لكن أوزيل رفض تلك الشروط بشكل قاطع، معتبراً أنها محاولة لتفكيك القيادة الحالية وإعادة السيطرة التقليدية على الحزب، ملوحاً بإطلاق حملة واسعة لجمع توقيعات المندوبين لعقد مؤتمر استثنائي يطيح عملياً بقرار المحكمة ويفرض شرعية جديدة داخل الحزب.
وفي خطاب جماهيري حاشد، وصف أوزيل ما يجري بأنه “محاولة لإخضاع المعارضة عبر القضاء والأجهزة الأمنية”، مؤكداً أن الحزب “سيستعيد نفسه عبر إرادة أعضائه وليس عبر قرارات المحاكم”.
دعم معارض واسع لأوزيل
التطورات الأخيرة دفعت أحزاب المعارضة التركية إلى إعلان تضامنها مع أوزيل. فقد زاره وفد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، حيث وصف رئيسه المشارك تونجر باكيرهان تدخل الشرطة بأنه “فضيحة قانونية وعار على الديمقراطية”.
كما انتقد رئيس حزب الجيد القومي، موساوات درويش أوغلو، اقتحام مقر الحزب، محذراً من أن تركيا تدخل مرحلة “تطبيع الانقلابات القضائية” ضد الأحزاب المعارضة.
ويرى مراقبون أن السلطة التركية تسعى عبر هذه التحركات إلى منع تشكل جبهة معارضة موحدة تضم القوميين المعتدلين والكورد والعلمانيين، وهي الصيغة التي أثبتت فعاليتها في الانتخابات البلدية الأخيرة.
أزمة قد تعيد رسم المشهد التركي
وتشير التقديرات إلى أن الأزمة الحالية داخل حزب الشعب الجمهوري تتجاوز مجرد صراع على القيادة، لتتحول إلى معركة حول مستقبل المعارضة التركية برمتها، وطبيعة التحالفات السياسية التي قد تتشكل في مواجهة إردوغان خلال المرحلة المقبلة.
وبينما يصر أوزيل على المضي نحو إعادة هيكلة الحزب وتعزيز الانفتاح على القوى الكوردية، تبدو السلطة التركية مصممة على منع هذا السيناريو، سواء عبر القضاء أو الضغوط السياسية أو محاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية داخل الحزب.
وفي ظل استمرار الانقسام والتجاذب، تبقى الأنظار متجهة نحو المؤتمر العام المرتقب، الذي قد يحدد ليس فقط مستقبل حزب الشعب الجمهوري، بل شكل الحياة السياسية التركية في السنوات المقبلة.



