استثمارات إماراتية في سوريا تثير هواجس تركية.. صراع نفوذ يتخفّى خلف بوابة الاقتصاد

يتحول المشهد السوري تدريجياً إلى ساحة صراع نفوذ مفتوح، تتجاوز فيه الدول الفاعلة أدوات السياسة التقليدية نحو معركة اقتصادية–جيوسياسية أكثر شراسة، تتصدرها كل من الإمارات العربية المتحدة وتركيا على طرفي نقيض.
تحركات إماراتية لتعزيز النفوذ الاقتصادي داخل سوريا
فبينما تتحرك أبوظبي بخطى متسارعة لتثبيت حضورها داخل مفاصل الاقتصاد السوري عبر مشاريع استراتيجية واسعة، ترى أنقرة في هذا التمدد محاولة ممنهجة لإعادة توزيع النفوذ في مناطق تعتبرها جزءاً من أمنها القومي وامتداداً لمجال تأثيرها المباشر.
أثارت الزيارة الأخيرة لوفد سياسي واقتصادي إماراتي رفيع المستوى إلى دمشق موجة من التساؤلات الإقليمية، في ظل حديث متزايد عن تنافس محتدم على النفوذ داخل سوريا، لا سيما في المناطق الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية.
زيارة رسمية وتفاهمات اقتصادية واسعة
وشهدت العاصمة السورية خلال شهر مايو/أيار 2026 زيارة رسمية ترأسها وزير الدولة للتجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي، حيث جرى الإعلان عن تفاهمات ومشاريع استثمارية واسعة تشمل قطاعات التجارة والاستثمار والعقارات والسياحة والطاقة والطيران والخدمات اللوجستية والتحول الرقمي والرعاية الصحية والزراعة والأمن الغذائي.
وبينما تصف أبوظبي هذه التحركات بأنها خطوة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والمساهمة في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري، تنظر أنقرة إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً، معتبرة أن التمدد الإماراتي داخل سوريا يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أهداف سياسية وجيوسياسية أعمق.
قراءة تركية للتحركات الإماراتية ومخاوف جيوسياسية
وبحسب تقديرات متداولة في الأوساط التركية، فإن التحركات الإماراتية في سوريا وزيارة الوفد إلى دمشق بهدف البدء بإنشاء مشاريع اقتصادية، خاصة على الساحل السوري تتم بالكامل وفقاً لرغبات ومصالح إسرائيل، وأن الإمارات تتلقى دعماً من إسرائيل لتنفيذ هذه الأنشطة.
وترى دوائر تركية أن تركيز الاستثمارات الإماراتية على الساحل السوري لا ينفصل عن مساعٍ لإعادة رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية هناك بهدف السيطرة الكاملة عليها وإضعاف المصالح والوجود التركي في المنطقة.
التحول من الصراع العسكري إلى صراع اقتصادي ناعم
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه سوريا تحولات متسارعة على مستوى العلاقات الإقليمية، حيث باتت مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار تشكل إحدى أبرز أدوات الصراع الناعم بين القوى المتنافسة، بعدما انتقل التنافس من الميدان العسكري إلى ساحات الاقتصاد ورؤوس الأموال.
معركة النفوذ القادمة في سوريا
ويرى مراقبون أن المعركة المقبلة في سوريا قد لا تُحسم بالسلاح، بل عبر السيطرة على المشاريع الاستراتيجية والموانئ والعقارات والبنية التحتية، في ظل سباق إقليمي متصاعد لفرض النفوذ وترسيخ المصالح طويلة الأمد تحت عنوان “الاستثمار وإعادة الإعمار”.
إعادة تشكيل خرائط التأثير الإقليمي
في المحصلة، لم تعد الاستثمارات في سوريا مجرد مشاريع اقتصادية، بل أدوات صراع نفوذ صريح يُدار بوسائل ناعمة، لكنه لا يقل حدّة عن المواجهات السياسية التقليدية.
وبين اندفاع إماراتي لتوسيع النفوذ عبر الموانئ والعقارات والبنية التحتية، واعتراض تركي يقرأ هذه التحركات كاختراق استراتيجي لمجاله الحيوي، تتكرس معادلة مواجهة طويلة الأمد قد تعيد تشكيل خريطة التأثير في سوريا لعقود قادمة.



