أزمـ ـة “الشعب الجمهوري” تتفـ ـاقم في تركيا.. أوزيل يحـ ـذر من تسييس القـ ـضاء وإردوغان يتبرأ من الصـ ـراع

تتواصل تداعـ ـيات الأزمـ ـة التي تضـ ـرب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، بعد القرار القـ ـضائي الذي أبـ ـطل نتائج المؤتمر العام للحزب المنعقد عام 2023، في خطوة فتحت الباب أمام مواجـ ـهة سياسية وقانونية غير مسبوقة بين أجنحة الحزب، وأثارت جدلاً واسعاً حول حدود تدخل القـ ـضاء في الحياة السياسية التركية.
وفي وقت يسعى فيه رئيس الحزب المنتخب أوزغور أوزيل إلى استعادة موقعه من خلال الدعوة إلى مؤتمر استثنائي جديد، اختار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان النأي بنفسه وحزب العدالة والتنمية عن الأزمة، مؤكداً أن الحكومة ليست طرفاً في النزاع الدائر داخل الحزب المعارض.
وقال إردوغان إن ما يجري يمثل خلافاً سياسياً وقانونياً داخلياً يخص حزب الشعب الجمهوري، مشدداً على أن حكومته لن تتدخل في أي من تفاصيل هذا الصراع الذي انتقل من أروقة المؤتمرات الحزبية إلى ساحات القضاء.
إلا أن أوزيل رفض هذا الطرح، معتبراً أن السلطات تتحمل مسؤولية مباشرة عما يجري. وفي خطاب أمام الكتلة البرلمانية للحزب، اتهم الحكومة بالسعي إلى إضعاف المعارضة عبر استخدام الأدوات القضائية، معتبراً أن القرارات الأخيرة تستهدف الحزب الذي تمكن للمرة الأولى منذ عقود من إلحاق هزيمة انتخابية بحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية عام 2024.
وأكد أوزيل أن حزبه سيواصل العمل السياسي والتنظيمي رغم القرار القضائي، مشيراً إلى نجاح حملته في جمع العدد المطلوب من توقيعات المندوبين لعقد مؤتمر عام استثنائي يعيد انتخاب قيادة الحزب وهيئاته المركزية. وبحسب النظام الداخلي للحزب، فإن جمع توقيعات 20 بالمئة من المندوبين يكفي لفرض عقد المؤتمر خلال 45 يوماً.
وشهد اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب حضوراً واسعاً من النواب والقيادات المحلية ورؤساء البلديات، في رسالة تهدف إلى إظهار استمرار الدعم الداخلي لأوزيل رغم قرار عزله المؤقت. كما رافقت الاجتماع هتافات داعمة له ومطالبة بوصوله إلى السلطة في الانتخابات المقبلة، في مؤشر على حجم الانقسام داخل الحزب بين مؤيدي القيادة الحالية وأنصار الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو.
وفي موازاة الصراع الداخلي، واصل رئيس بلدية إسطنبول المعزول والمرشح الرئاسي للحزب أكرم إمام أوغلو هجومه على السلطات، معتبراً أن ما تتعرض له المعارضة يشكل محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي التركي عبر القضاء، ومؤكداً أن حزبه سيواصل مقاومة الضغوط القانونية والسياسية.
ولم تقتصر تحذيرات أوزيل على الداخل التركي، بل امتدت إلى الساحة الدولية. ففي مقال نشره بمجلة أمريكية، اعتبر أن أزمة الديمقراطية في تركيا لم تعد قضية محلية، بل تحولت إلى ملف يرتبط بأمن أوروبا وحلف شمال الأطلسي والبحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط. ورأى أن استمرار التدخل القضائي في العمل السياسي قد يقود إلى حالة من عدم الاستقرار تتجاوز حدود تركيا وتنعكس على محيطها الإقليمي والدولي.
كما حظي موقف أوزيل بدعم من قوى سياسية معارضة أخرى، أبرزها حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للكورد، الذي اعتبر أن قرار المحكمة يمثل تدخلاً مباشراً في إرادة الأحزاب السياسية ويهدد قواعد العمل الديمقراطي في البلاد.
في المقابل، دعا رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، الحليف الرئيسي لإردوغان، الجهات القضائية المختصة إلى الإسراع في حسم القضية، محذراً من أن استمرار الجدل حول شرعية قيادة حزب الشعب الجمهوري قد يؤثر على الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي في تركيا.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه الضغوط على المعارضة التركية، مع استمرار التحقيقات القضائية التي تستهدف عدداً من البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري. فقد نفذت السلطات خلال الأيام الأخيرة حملة اعتقالات جديدة في بلدية بوجا التابعة لإزمير، شملت عشرات الأشخاص بينهم مسؤولون حاليون وسابقون بتهم تتعلق بالرشوة والاختلاس.
ومع استمرار المعركة القضائية والسياسية داخل أكبر أحزاب المعارضة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل حزب الشعب الجمهوري، وما إذا كان سيتمكن من تجاوز أزمته الداخلية واستعادة وحدته التنظيمية، أم أن الانقسام الحالي سيفرض واقعاً جديداً على المشهد السياسي التركي قبل أي استحقاقات انتخابية مقبلة.



