مخـ ـاوف تركية من تغير موازين القوى في بحر إيجه وشرق المتوسط
المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوازنات العسكرية الدقيقة

عادت المنافسة العسـ ـكرية بين تركيا واليونان إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعدما أعلنت أنقرة أنها تتابع عن كثب التطورات الأخيرة في برامج التسـ ـلح اليونانية، لا سيما بعد حصول أثينا على دفعات جديدة من الطائرات المسيّرة الأميركية المتطورة، في خطوة تعكس استمرار سباق التحديث العسـ ـكري بين البلدين رغم مساعي خفض التـ ـوتـ ـر خلال الأعوام الأخيرة.
تحذير تركي ومراقبة دقيقة
وأكدت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تراقب باهتمام بالغ الأنشطة العسكرية والتسليحية التي تنفذها كل من اليونان وقبرص، معتبرة أن أمن شرق البحر المتوسط وبحر إيجه يتطلب تعزيز التعاون والحوار بدلاً من الانخراط في سباقات تسلح قد تزيد من حدة التوترات القائمة.
وادعى المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك إن بلاده متمسكة بمبادئ حسن الجوار والاستقرار الإقليمي رغم التدخلات التركية في العديد من دول الجوار.
وأشار في الوقت ذاته أن بلاده ستواصل اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي، إضافة إلى ضمان أمن جمهورية شمال قبرص التركية والتي تعترف بها تركيا فقط في العالم.
المسيّرات الأميركية تثير الاهتمام التركي
وجاء الموقف التركي بعد إعلان شركة “شيلد إيه آي” الأميركية توقيع عقد جديد مع الجيش اليوناني لتزويده بمزيد من الطائرات المسيّرة العمودية من طراز “في بي إيه تي” (V-BAT)، التي تُعد من أحدث المنصات غير المأهولة المخصصة لعمليات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة.
وتتميز هذه الطائرات بقدرتها على الإقلاع والهبوط العمودي دون الحاجة إلى مدارج، ما يجعلها مناسبة للبيئة الجغرافية المعقدة التي تتميز بها اليونان، خصوصاً الجزر المنتشرة في بحر إيجه والمناطق الساحلية والجبلية الوعرة.
كما أثبت هذا الطراز من المسيّرات فعاليته خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تمكن من تنفيذ مهام استطلاعية في بيئات تعاني من التشويش الإلكتروني أو ضعف أنظمة الملاحة والاتصالات.
تعزيز الانتشار في بحر إيجه
وكانت القوات المسلحة اليونانية قد تسلمت مؤخراً مسيّرتين من هذا الطراز، دخلتا الخدمة رسمياً خلال احتفال عسكري أقيم في أثينا بحضور رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس ووزير الدفاع نيكوس ديندياس.
ووفق الخطط المعلنة، ستتولى إحدى المسيّرتين تنفيذ مهام المراقبة والدوريات في منطقة تراقيا وشمال بحر إيجه، بينما ستعمل الأخرى في جزر دوديكانيز وجنوب شرقي البحر المتوسط، وهي مناطق تحظى بحساسية خاصة في الحسابات الأمنية التركية.
خلافات تاريخية لم تُحل
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الخلافات التقليدية بين أنقرة وأثينا حول عدد من الملفات الاستراتيجية، أبرزها وضع جزر بحر إيجه، وترسيم الحدود البحرية والجرف القاري في شرق المتوسط، إضافة إلى القضية القبرصية.
ورغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة في مسار بناء الثقة بين البلدين برعاية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن برامج التسلح المتبادلة لا تزال تشكل مصدر قلق دائم للطرفين.
وتعتبر تركيا أن أي تعزيز عسكري يوناني في المناطق القريبة من حدودها البحرية يجب أن يُتابع بدقة، فيما تؤكد اليونان أن تحديث قواتها المسلحة يأتي في إطار حماية سيادتها وأمنها الوطني.
تحالفات إقليمية جديدة
ويزداد القلق التركي مع تنامي التعاون العسكري بين اليونان وقبرص وإسرائيل، المدعوم بشكل متزايد من الولايات المتحدة. فقد أعلنت الدول الثلاث خلال الفترة الماضية توسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري، بما يشمل تبادل المعلومات والتدريبات المشتركة وتعزيز التنسيق الدفاعي في شرق المتوسط.
ويرى مراقبون أن هذه الشراكات تشكل جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة، في ظل المنافسة على موارد الطاقة وخطوط النقل البحري والنفوذ الجيوسياسي.
وفي هذا السياق، صدرت خلال الأشهر الماضية تصريحات إسرائيلية اعتُبرت رسالة غير مباشرة إلى تركيا، أكدت التمسك بالدفاع عن المصالح الإسرائيلية في شرق المتوسط وعدم السماح بفرض وقائع جديدة في المنطقة.
بين الردع والحوار
وعلى الرغم من التصعيد الإعلامي المتبادل، فإن تركيا واليونان لا يزالان يؤكدان رسمياً التزامهما بمسار الحوار وخفض التوتر. إلا أن استمرار برامج التحديث العسكري لدى الجانبين يعكس إدراكاً متبادلاً بأن التنافس الاستراتيجي في بحر إيجه وشرق المتوسط لم ينتهِ بعد.
ومع دخول تقنيات جديدة، مثل المسيّرات المتطورة وأنظمة المراقبة الحديثة، إلى الخدمة في القوات المسلحة اليونانية، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوازنات العسكرية الدقيقة.



