أوزيل وكليتشدار أوغلو يصعّدان أزمـ ـة الشعب الجمهوري

دخل حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، نفـ ـقاً مظـ ـلماً من الصـ ـراع الدستوري والتنظيمي المحموم بين رئيسه المُعاد مؤقتاً كمال كليتشدار أوغلو، ورئيسه المنتخب الموقـ ـوف مؤقتاً أوزغور أوزيل. هذا النـ ـزاع القـ ـضائي والسياسي لم يعد يهـ ـدد التماسك الداخلي للحزب فحسب، بل بات يهـ ـدد وجوده السياسي وقدرته على خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة المقررة عام 2028، وسط حالة من شـ ـلل القرار والتهـ ـديد بالإجـ ـراءات التـ ـأديـ ـبية المتبادلة.
قبضة كليتشدار أوغلو “المؤقتة” ومخاطر الحرمان الانتخابي
ويسعى كمال كليتشدار أوغلو، الذي عاد إلى الواجهة السياسية مستنداً إلى قرار قضائي بإعادته “مؤقتاً” لرئاسة الحزب، إلى إحكام قبضته وتصفية نفوذ خصومه قبل عقد أي مؤتمر عام جديد لانتخاب القيادة. وتكمن الخطورة الكبرى، وفقاً للمراقبين، في عامل الوقت؛ حيث يواجه الحزب خطراً حقيقياً بالاستبعاد والحرمان من خوض انتخابات عام 2028، في حال تأخر عقد هذا المؤتمر العام لما بعد المهلة القانونية المحددة في 25 تموز المقبل.
معركة المجموعة البرلمانية.. كسر عظم يوم الثلاثاء
وتتجه الأنظار صوب البرلمان التركي يوم الثلاثاء المقبل، الذي يشهد فصلاً جديداً من الصراع المباشر بين الجبهتين حول من يترأس اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب، إذ أعلن المتحد باسم جبهة كليتشدار أوغلو، مسلم صاري، عبر منصة إكس، أن كليتشدار أوغلو سيرأس الاجتماع بنفسه، ملوحاً بإبطال وإلغاء الانتخابات الداخلية التي جرت في 23 أيار الماضي، والتي فاز فيها أوزغور أوزيل برئاسة المجموعة البرلمانية بأغلبية ساحقة بلغت 110 أصوات من أصل 138 نائباً، واصفاً تلك الانتخابات بأنها “غير نظامية” وجرت دون علم رئيس الحزب.
أما جبهة أوزغور أوزيل، فأكدت تمسكها بالشرعية الانتخابية، وشددت على أن الاجتماع سيعقد برئاسة أوزيل حصراً، استمراراً للآلية التي طُبقت الأسبوع الماضي.
المماطلة القانونية وسلاح “الخطوط الحمر”
وفي الجانب التنظيمي، يبدو أن جبهة كليتشدار أوغلو تتبع استراتيجية المماطلة القانونية لإطالة أمد الأزمة؛ حيث صرّح المتحدث مسلم صاري لصحيفة «جمهورييت» بأن تلبية مطالب القاعدة الحزبية بعقد مؤتمر عام فوراً تعد “مستحيلة قانوناً” في الوقت الحالي، معللاً ذلك بأن قرار القضاء بـ”البطلان المطلق” للمؤتمر العام العادي الـ38 للحزب (الذي عُقد في نوفمبر 2023 وأطاح بكليتشدار أوغلو) ليس حكماً نهائياً، بل هو مجرد “إجراء احترازي” لحين البت النهائي في أصل القضية.
وفي خطوة تصعيدية، توعد صاري ببدء إجراءات تأديبية داخلية ضد القيادات والنواب الذين وجهوا انتقادات حادة لكليتشدار أوغلو، والذين وصلت اتهاماتهم له بـ”الخيانة والتعاون مع الرئاسة التركية”، مؤكداً: “إننا نراقب من يتجاوزون الخطوط الحمر”. كما كشف عن نية كليتشدار أوغلو تشكيل لجان داخلية للتحقيق مع رؤساء البلديات التابعين للحزب والملاحقين قضائياً، كخطوة لقطع الطريق على القضاء التابع لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم وفرض تقييم داخلي خاص بالحزب.
أوزيل يتمسك بالشرعية: “أرفض قيادة بلا تفويض”
وفي المقابل، يبدي أوزغور أوزيل تفادياً واضحاً لتقديم أي تنازلات، متمسكاً بشرعيته المستمدة من صناديق الاقتراع الحزبية. وخلال تجمع جماهيري حاشد لأنصاره في مدينة نيفشهير وسط الأناضول، وجه أوزيل انتقادات لاذعة لمحاولات إقصائه قائلاً: «إنهم يحاولون انتزاع الحزب مني، ويستبدلون به فراغاً… أنا رئيسه المنتخب، وأرفض أن يقوده شخص لا يحمل شهادةً ولا تفويضاً»، مؤكداً أنه لن يسمح لشخص لا يملك وثيقة انتخاب رسمية بإدارة الحزب وفرض أجندته.
رئاسة البرلمان تلتزم الحياد الإيجابي
وأمام هذا الانقسام الحاد، آثر رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، اتخاذ موقف محايد لا يتدخل في الصراعات الداخلية لأحزاب المعارضة. وأوضح كورتولموش أنه من الناحية الإجرائية، يحق لكمال كليتشدار أوغلو الحديث أمام المجموعة البرلمانية بصفته رئيساً للحزب، حتى وإن لم يكن نائباً برلمانياً ناتجاً عن انتخابات 2023.
ودلّل كورتولموش على ذلك بسوابق تاريخية شهدها حزب الشعب الجمهوري نفسه، وتحديداً خلال فترة رئاسة مراد كارايالتشين الذي قاد الحزب وتحدث تحت قبة البرلمان دون أن يكون عضواً فيه، واختتم رئيس البرلمان موقفه بالقول: «البرلمان لا ينحاز إلى أي طرف… كانت المسألة واضحة بالأمس، ولا تزال واضحة اليوم»، واضعاً الكرة في ملعب نواب الحزب لحسم صراعاتهم داخلياً.



