بين التغـ ـاضي والقمـ ـع.. تضـ ـارب إدارة الاحتـ ـجاجات والنـ ـزعـ ـات الانتـ ـقـ ـامية يضع استقرار سوريا على المحـ ـك

تعيش الجغرافيا السورية على وقع مـ ـوجة عارمة من الاحتـ ـقان الاجتماعي المتصاعد الذي انتقل سريعاً من نطاقات محلية ضيقة ليتحول إلى ظـ ـاهرة عامة تمتد من العاصمة دمشق إلى الساحل السوري، مرواً بإدلب وحماة وحلب، وصولاً إلى دير الزور والحسكة في الشرق. هذا التوسع المقـ ـلق يتزامن مع ممـ ـارسات سلـ ـطوية متـ ـضـ ـاربة تفتـ ـقر إلى المعايير الثابتة؛ حيث يراوح سـ ـلوك الأجـ ـهزة الأمـ ـنـ ـية بين “التغـ ـاضي الانتـ ـقائي” عن تحـ ـركات معينة، و”القـ ـمع المباشر” لخطـ ـابات أخرى، مما يفتح الباب أمام نـ ـزعـ ـات الثـ ـأر العشائري والطـ ـائفي ويهـ ـدد ما تبقى من السلم الأهلي.
سياسة الكيل بمكيالين.. المعايير الأمنية المزدوجة
ويُسجل المشهد الميداني تبايناً صارخاً وعشوائية في تعاطي السلطات الحاكمة مع الشارع، وهو ما يثير انتقادات حقوقية حادة حول غياب نهج قانوني موحد، حيث ترصد التقارير غضّ الطرف من قِبل السلطات عن بعض التجمعات والمسيرات، لاسيما تلك التي تخدم أجندات جهوية محددة أو تصفية حسابات مع نخب العهد السابق.
وفي المقابل، تُواجه التحركات الشعبية ذات الطابع المعيشي (الاحتجاج على الغلاء وانقطاع الخدمات) أو الحراك السياسي المناهض لسياسات السلطة الجديدة، بإجراءات قمعية مشددة تشمل التفريق بالقوة وفرض قيود صارمة على حرية التعبير والتظاهر السلمي.
هذا التناقض الفجّ يطرح تساؤلات حتمية حول حدود حرية التعبير المتاحة، ويؤكد أن الأمن يُدار وفقاً لظروف كل حالة وبناءً على الحسابات السياسية الفئوية، وليس استناداً إلى دستور أو قانون ثابت.
فوضى مصطلح “الشبيحة” ومخاطر العدالة الفردية
وتتزامن هذه العشوائية الإدارية مع تصاعد حاد في الدعوات الاحتجاجية – ميدانياً وعبر منصات التواصل الاجتماعي – التي تطالب بمحاسبة وعزل الأشخاص المتهمين بالارتباط بالنظام السابق أو التورط في انتهاكات حرب. بيد أن الخطورة الكبرى تكمن في انزلاق هذا الخطاب من المطالبة بالعدالة القضائية إلى التحريض على “العدالة الفردية” والضغط المباشر خارج أطر القانون.
وحذر ناشطون ومصادر محلية من “التعميم الأعمى” والاستخدام غير المنضبط لتهمة وتوصيف “شبيح”؛ حيث تحول المصدر في كثير من الأحيان إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية والابتزاز المالي، مما ينذر بوقوع أخطاء كارثية تطال مدنيين أبرياء عاشوا في مناطق السيطرة السابقة دون الانخراط في أي جرم، وهو ما يغذي التوترات الطائفية والمجتمعية بشكل مباشر.
الشارع يتمسك بالقصاص السليم والتحذير من الانتقام
ورغم فوضى الشعارات، شهدت مدن وبلدات سورية متعددة احتجاجات واعتصامات منظمة، أكد فيها المشاركون على تمسكهم بحقوق الضحايا ورفضهم القاطع لأي تسويات سياسية فوقية أو عودة مشبوهة للمتهمين بالانتهاكات دون المرور بمسار قضائي علني وشفاف. وفي المقابل، تتصاعد أصوات العقلاء والناشطين لضرورة حصر ملف المساءلة ضمن إطار محاكم مستقلة وبناءً على أدلة جنائية قطعية، لقطع الطريق أمام دوامات الانتقام المتبادل التي قد تفجر صراعات أهلية لا تحمد عقباها.
إن غياب الاستراتيجية الواضحة والمعايير الثابتة في إدارة الاحتجاجات يكرس فجوات الانقسام داخل المجتمع السوري، ويحول التوترات الكامنة إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة. وتتحمل سلطة دمشق المؤقتة المسؤولية المباشرة عن هذا التخبط؛ إذ يتطلب الموقف انتقالاً فورياً من المقاربة الأمنية القمعية أو التغاضي الخبيث، إلى مأسسة مسار العدالة الانتقالية. إن ضبط التحركات الشعبية وضمان سلميتها وحصر المحاسبة بالقانون هو السبيل الوحيد لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى الشاملة والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي.



