السـ ـلاح المـ ـأزوم في العراق: جيوسياسية التفـ ـكيك والدمج، وشنكال في عين العاصفة الاستخبـ ـاراتية التركية

واجهة النقاش تعود إلى المربع الأول

عاد ملف السـ ـلاح في العراق ليحتل واجهة النقاش السياسي والأمـ ـني خلال الأشهر الأخيرة، حاملاً معه تصـ ـاعداً ملحوظاً في الخطاب الدبلوماسي والميداني حول ترتيبات تهدف إلى “حصر السـ ـلاح بيد الدولة” وإعادة تنظيم وضع الأطراف المسـ ـلحة. وفي الوقت الذي تتركز فيه الضغوط والنقاشات العلنية حول مستقبل الحـ ـشد الشعبي والفصـ ـائل المرتـ ـبطة به، برزت تساؤلات متزايدة ومعقدة بشأن ما إذا كانت هذه التوجهات قد تمتد إلى قـ ـوات البيشمركة في إقليم كوردستان العراق، وهو الأمر الذي تجابهه القيادة الكوردية برفـ ـض قاطـ ـع ومستند إلى أطر دستورية تاريخية. غير أن النواة الصلبة لهذا المشهد لا تقتصر على ثنائية بغداد وأربيل؛ بل تتعداها إلى خطوط تماس إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تحجيم النفوذ الإيراني، مع المخططات التركية الإستراتيجية التي يقودها جهاز الاستـ ـخبـ ـارات التركي (MİT)، والتي تستهدف بشكل أساسي ومباشر وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) والإدارة الذاتية في سنجار، مستغلةً حراك “إعادة الهيكلة” لتمرير أجندة تصـ ـفية الوجود العسـ ـكري والسياسي المناوئ لأنقرة تحت غطاء شرعية “الدمج” و”حصر السـ ـلاح”.

معضلة حصر السلاح وفخ المقارنة بين الحشد والبيشمركة

في خضم التحركات الجارية، رحب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق وسفيرها لدى تركيا توم باراك بأي خطوات تؤدي إلى إخضاع السلاح لسلطة الحكومة العراقية المركزية. هذا الترحيب قوبل بنظرات ريبة من بعض قوى الحشد الشعبي، التي اعتبرت الموقف الأمريكي محاولة مبطنة لتقليص دورها العسكري المستقل وإنهاء نفوذها السياسي والميداني.

ومع ذلك، أبدت بعض الفصائل استعداداً مشروطاً للتجاوب مع إجراءات تنظيم السلاح والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بينما ما تزال فصائل أخرى متمسكة برفض تسليم سلاحها أو التخلي عن بنيتها العسكرية المستقلة.

وفي المقابل، ترفض حكومة إقليم كوردستان العراق بشكل حاسم أي محاولة لربط ملف الحشد الشعبي بمصير قوات البيشمركة. وتؤكد الأحزاب الكوردية عبر أدبياتها السياسية أن البيشمركة ليست فصيلاً مسلحاً نبت خارج مؤسسات الدولة أو أفرزته ظروف مؤقتة، بل هي قوة عسكرية نظامية عقائدية تستند إلى الدستور العراقي الدائم، وتحديداً الصلاحيات الممنوحة للإقليم بموجب المادة 121، التي تخول حكومة كوردستان تنظيم قواتها الأمنية والعسكرية الداخلية (كحرس الإقليم).

وتشير القيادات الكوردية إلى أن المقارنة بين الطرفين تتجاهل الفوارق القانونية والسياسية الجوهرية. فبينما يدور الجدل المحلي والدولي بشأن الأطراف المسلحة المرتبطة بالحشد ومستوى استقلال قرارها العسكري والتمويلي والارتباط الإقليمي، فإن قوات البيشمركة تمثل قوة رسمية معترفاً بها دستورياً، تخضع لسلسلة قيادة واضحة تابعة لوزارة البيشمركة وتعمل ضمن الإطار الاتحادي المعترف به.

وفي هذا السياق، نفى الأمين العام لوزارة البيشمركة، بختيار محمد، وجود أي طلب رسمي لدمج البيشمركة ضمن مؤسسة اتحادية أو وزارة أمنية يجري الحديث عن استحداثها مستقبلاً في بغداد. كما شدد مسؤولون كورد على أن أي خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تمر دون تعديلات دستورية جوهرية تمس طبيعة النظام الاتحادي (الفيدرالي) القائم في البلاد ككل، بل إن بعض المسؤولين الكورد يذهبون إلى أبعد من ذلك، محذرين من أن دمج البيشمركة أو إلغاء خصوصيتها القانونية والعسكرية قد يفتح الباب على مصراعيه لإعادة النظر في وضع إقليم كوردستان ككيان سياسي دستوري برمته وتفكيك صلاحياته.

كواليس الضغوط الأمريكية وحسابات إسقاط النظام الإيراني

وفي السياق، تفيد مصادر خاصة ومطلعة من داخل إقليم كوردستان العراق، بأن الفجوة تزداد عمقاً بين الطروحات السياسية في بغداد والواقع الجيوسياسي. فخلف الكواليس، تبين المصادر أن قيام بعض القيادات الشيعية بطرح مسألة إشراك البيشمركة في خطط نزع السلاح وإعادة الهيكلة لا يعدو كونه “مناورة سياسية” وتكتيكاً لتعطيل وتأخير عملية تفكيك الفصائل الشيعية المسلحة نفسها، والهدف من ذلك هو وضع الجانب الأمريكي أمام معادلة شديدة التعقيد عبر القول: “إذا أردتم تفكيك الفصائل، فعليكم تفكيك القوات الكوردية أيضاً”.

ولكن المفاجأة تكمن في الموقف الأمريكي المقابل؛ إذ تكشف المصادر الأمنية أن الضغوط الأمريكية الحالية والمتعلقة بدمج قوات البيشمركة أو التشكيك في وضعها الحالي لا تنبع من رغبة بريئة في بناء مؤسسات دولة عراقية متماسكة بصورة متساوية، بل تعود إلى جملة من عدم الرضا من قبل واشنطن تجاه مواقف قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني (PDK). ويتلخص هذا الاستياء في نقطتين رئيسيتين، أولها عدم رضا واشنطن عن موقف قيادة الإقليم الرافض لاستخدام أراضيها أو قواها كمنطلق عسكري مباشر لعمليات تستهدف إسقاط النظام الإيراني، حرصاً من أربيل على عدم تحويل الإقليم إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة. وثانياً، ما تعتبره الولايات المتحدة عدم التزام كافٍ من قبل قادة إقليم كوردستان بتوجيهاتها الصارمة في إطار الصراع الأمريكي-الإيراني المحتدم بالمنطقة.

وبناءً على ذلك، تعتقد مصادر أمنية أمريكية أن قوات البيشمركة بصيغتها الفيدرالية الحالية لا تمثل قيمة إستراتيجية عليا أو شراكة حقيقية مع الولايات المتحدة ما لم تشارك بصورة مباشرة في الخطط الأمريكية الكبرى الرامية إلى تغيير النظام في طهران. ومن هذا المنطلق البراغماتي، لا ترى تلك المصادر مبرراً لإبقاء تشكيلات عسكرية كوردية مستقلة خارج إطار الدولة العراقية المركزية التي يمكن الضغط عليها عبر قنوات بغداد الاتحادية.

ولعل ما يزيد الطين بلة هو الأزمة الداخلية المزمنة التي تعصف بالبيشمركة؛ والمتمثلة في غياب الوحدة الكاملة والانقسام الحزبي التقليدي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني (YNK). فعلى الرغم من كل الخطوات والبرامج التي اتُخذت برعاية ودعم مالي وعسكري أمريكي لتوحيد الألوية، لا تزال الانقسامات السياسية تنعكس مباشرة على المؤسسات العسكرية.

وهنا تبرز المفارقة؛ فبقدر ما تتوحد البيشمركة تزداد قدرتها على حماية شرعيتها الدستورية، لكن استمرار انقسامها يمنح خصومها، ولا سيما الولايات المتحدة، مبررات إضافية للتشكيك في مستقبلها واستغلال هذه الحالة كفرصة سانحة لتحقيق مآرب إستراتيجية خاصة.

المحور التركي وسياق “الاندماج” الملغوم

وعلى الجانب الآخر من الحدود، تقارب الدولة التركية ملف الأمن العراقي من زاوية مصالحها الجيوسياسية الخاصة و”أمنها القومي” المفترض. وتبدي أنقرة تحفظاً ملموساً تجاه تنامي نفوذ الحشد الشعبي قرب حدودها (خاصة في نينوى وتلعفر)، خوفاً من تعاظم الحزام الإيراني. غير أن مقاربتها لملف البيشمركة تبدو بالغة التعقيد والبراغماتية.

ووفقاً للمصادر الخاصة، ترى تركيا أن دعم إقليم كوردستان يتطلب مقاربة منسجمة مع الإستراتيجية الأمريكية الحالية، بشرط أن يأخذ الجانب الأمريكي الهواجس الأمنية التركية الحساسة بعين الاعتبار، وفي مقدمتها تصفية نفوذ حزب العمال الكردستاني (PKK)، ومواجهة الدعم الإسرائيلي المتنامي لكل من قبرص واليونان في حوض المتوسط. وعليه، فإن تركيا تضع ملف البيشمركة كأحد المحاور الرئيسية المقايَضة في نقاشاتها الإستراتيجية مع واشنطن.

وتكشف التحليلات أن أنقرة نقلت تجربتها في شمال سوريا إلى الساحة العراقية؛ فبعد أن مارست الدولة التركية ضغوطاً هائلة على الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (QSD) عبر السفير الأمريكي (الذي يتولى مهمة المبعوث الخاص إلى سوريا والعراق حالياً) توم باراك لدفعها إلى “الاندماج” ضمن الحكومة السورية المؤقتة الموالية لأنقرة، نجحت تركيا نسبياً في تقويض الطموحات السياسية للمكونات السورية ومفهوم اللامركزية هناك.

وبعد تكليف توم باراك بمهام مبعوث خاص وخارجية ممتدة للملفين العراقي والسوري معاً، سارعت أنقرة إلى استغلال هذه التجربة، وبدأت بالترويج لمفهوم “الاندماج” كبديل للنظام الفيدرالي القائم في العراق، مقدمةً النموذج السوري كشاهد إثبات أمام باراك لإقناعه بأن تسييد المركزية وإلغاء الخصوصيات العسكرية الفيدرالية هو السبيل الوحيد لضبط الاستقرار الإقليمي.

شنكال في عين العاصفة.. خطة الاستخبارات التركية (MİT) كركيزة أساسية

إن الهدف الإستراتيجي الأبرز للدولة التركية في هذه المرحلة لا يتوقف عند جبال قنديل، بل يتركز في قضاء شنكال ذي الخصوصية الإيزيدية الجريحة. وانطلاقاً من قراءة تركيا للمشهد، بدأ جهاز الاستخبارات التركي بالتعاون والتنسيق المكثف مع مجلس الأمن القومي التركي، بوضع خطط وآليات إستراتيجية وأمنية غايتها الأساسية وتفكيك وإضعاف وحدات مقاومة شنكال (YBŞ) وإنهاء تجربة الإدارة الذاتية في شنكال كلياً.

محور المخطط التركي

ويعمل جهاز الاستخبارات التركي حالياً على صياغة ترتيبات لعقد لقاءات دبلوماسية مكثفة واتصالات رفيعة المستوى بهدف الضغط على المبعوث الأمريكي توم باراك وإقناعه بضرورة إنهاء الوضع السياسي والعسكري القائم في شنكال، مستخدمةً العنوان الجاذب ذاته: “الاندماج وإعادة الهيكلة ضمن ترتيبات أمنية جديدة تابعة للحكومة الاتحادية”.

وتتلخص الأبعاد التكتيكية والإستراتيجية لخطة الاستخبارات التركية تجاه وحدات مقاومة شنكال في النقاط الآتية:

توظيف مفهوم “الاندماج” كغطاء للتصفية: تسعى الاستخبارات التركية إلى إقناع واشنطن وبغداد بأن بقاء وحدات مقاومة شنكال كقوة محلية تحمي القضاء يمثل “خروجاً عن سلطة الدولة” وبؤرة لعدم الاستقرار، وبالتالي يجب تفكيكها أو دمجها بطريقة تنهي خصوصيتها العسكرية وتجرّد المجتمع الإيزيدي من عناصر حمايته الذاتية التي تشكلت إبان حرب الإبادة ضد تنظيم “داعش”.

قطع خطوط الاتصال الجيوسياسية: ترى أنقرة في شنكال حلقة وصل جغرافية بالغة الخطورة تربط بين المناطق الكوردية في العراق ومناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (روج آفا). وتفكيك وحدات مقاومة شنكال يعني عملياً خنق هذا الممر الإستراتيجي وإحكام الحصار على قسد.

اللعب على حبل التناقضات بين أربيل وبغداد: تحاول الخطة التركية استغلال اتفاق سنجار (الموقع سابقاً بين بغداد وأربيل) ودفع الطرفين، مدفوعين بضغط أمريكي، إلى تنفيذ شق عسكري يقضي بإخراج كافة الفصائل المحلية وعلى رأسها وحدات مقاومة شنكال، وإحلال قوات دمج تابعة للمركز لا تمتلك ارتباطاً أيديولوجياً بالأرض.

المفارقة التركية.. لماذا ترفض أنقرة دمج البيشمركة بينما تطلب دمج وحدات شنكال؟

وتتبدى في هذا المشهد مفارقة سياسية شديدة البراغماتية من جانب أنقرة؛ فبينما يضغط جهاز الاستخبارات التركي بكل قوته لدمج وتفكيك وحدات مقاومة شنكال والإدارة الذاتية هناك، تكشف المصادر الخاصة أن تركيا تسعى في الوقت نفسه إلى عرقلة عملية دمج قوات البيشمركة وتفكيكها!

وتعود هذه المفارقة الإستراتيجية إلى حسابات أمنية دقيقة تعتمدها الدولة التركية:

البيشمركة كحاجز صد وموازنة إقليمية

تدرك تركيا تماماً أن دمج قوات البيشمركة في الجيش العراقي أو وزارة الدفاع في المرحلة الحالية لا ينسجم إطلاقاً مع مصالحها بعيدة المدى. إذ ترى أن وجود قوات البيشمركة بصيغتها الراهنة المنقسمة والمستقلة عن بغداد، يخدم رؤيتها وسياساتها الرامية إلى محاصرة القوى والحركات الكوردية المناوئة لها، ولا سيما تلك المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني. فأنقرة تستفيد من التنسيق الأمني والسياسي مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني لضرب خصومها، وتحويل البيشمركة إلى قوة نظامية تابعة كلياً لبغداد قد يحرم تركيا من ميزة “التعاون الإقليمي الخاص” ضد حزب العمال.

إحباط المخطط الأمريكي ضد إيران

وتُقدّر الدولة التركية بحسب تقاريرها الاستخبارية، أن ملف دمج قوات البيشمركة قد يتحول إلى “أداة ضغط أمريكية” صلبة لدفع القوى الكوردية (ولا سيما الحزب الديمقراطي) نحو الانخراط الإجباري في أي مواجهة عسكرية أو أمنية محتملة تقودها واشنطن ضد إيران. وبما أن أنقرة لا ترغب في انفجار حرب شاملة على حدودها الشرقية قد تخل بالتوازنات التاريخية، فإنها تعمل بنشاط على توظيف نفوذها وتأثيرها الدبلوماسي على توم باراك لعرقلة هذا الدمج، والحفاظ على وضع البيشمركة الحالي كقوة محلية كابحة.

المقارنة الإستراتيجية بين القوتين

وبينما تنظر تركيا لوحدات مقاومة شنكال كتهديد أيديولوجي مباشر لامتدادها الحدودي وعمقها الأمني كونها تتبنى فكر الإدارة الذاتية، فإنها تنظر لقوات البيشمركة (خاصة الجناح المقرب من أربيل) كشريك اقتصادي وسياسي يمكن التنبؤ بسلوكه وضبط إيقاعه عبر البوابة الاقتصادية وصادرات النفط والتبادل التجاري.

صراع النفوذ المفتوح على كل الاحتمالات

يجد العراق نفسه مجدداً في قلب إعصار جيوسياسي إقليمي ودولي، يعيد فيه الكبار صياغة البنية الأمنية ومراكز القوة الداخلية تحت لافتات براقة مثل “دعم الدولة وتعزيز مؤسساتها وحصر السلاح”. غير أن هذه الشعارات، كما تكشف كواليس ومخططات جهاز الاستخبارات التركي والمواقف الأمريكية، تظل محكومة بحسابات المصالح الجيوسياسية الصرفة.

إن ملف السلاح في العراق بات أداة تكتيكية بامتياز؛ يُستخدم أمريكياً للضغط باتجاه مواجهة إيران، ويُستخدم شيعياً للمناورة وتأخير تفكيك الفصائل، ويُستخدم تركياً عبر بوابة “الدمج الملغوم” لتفكيك المقاومة الذاتية في شنكال مع الإبقاء على حرس الإقليم (البيشمركة) في حالة توازن قلق يخدم أجندة أنقرة ضد حزب العمال الكوردستاني.

وفي محصلة هذا المشهد المعقد، تبقى منطقة شنكال ووحدات مقاومتها خط الدفاع الأول المستهدف في هذه الحرب الاستخباراتية الدبلوماسية، مما يجعل مستقبل القضاء رهناً بمدى صمود الإدارة الذاتية هناك، وطبيعة التفاهمات اللحظية التي سيبرمها المبعوث الأمريكي توم باراك بين طموحات أنقرة وحسابات بغداد المعقدة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى