منشورات التهـ ـديد تتمـ ـدد في سوريا.. مخـ ـاوف من انفـ ـلات خطـ ـير يهـ ـدد السلم الأهلي

تشهد عدة مناطق سورية خلال الفترة الراهنة تصـ ـاعداً مقـ ـلقاً في مظـ ـاهر التحـ ـريـ ـض والاستـ ـقـ ـطاب المجتمعي، في ظل انتشار منشورات ورسائل تهـ ـديد تستهـ ـدف أشخاصاً متهـ ـمـ ـين بالارتبـ ـاط بالنـ ـظام السابق أو ممـ ـارسة ما يعرف بـ”التشـ ـبـ ـيح”، بالتوازي مع تزايد حـ ـوادث العنـ ـف والاستهـ ـدافات ذات الخلـ ـفيات الطـ ـائفية والديـ ـنية، الأمر الذي يثـ ـير مخـ ـاوف متزايدة من تداعـ ـيات خطـ ـيرة على السلم الأهلي ومستقبل العدالة الانتقالية في البلاد.

وفي أحدث هذه التطورات، عُثـ ـر اليوم على منشورات ورقية مجهـ ـولة المصدر في مخيم اليرموك بريف دمشق، تضمنت عبارات موجـ ـهة مباشرة إلى من وصفتهم بـ”الشبـ ـيـ ـحة”، داعية إياهم إلى مغـ ـادرة المخيم أو ملازمة منازلهم وعدم الظهور في الأماكن العامة، باعتبارهما “خيارين لا ثالث لهما”.

ولم تعرف حتى الآن الجهة التي تقف وراء هذه المنشورات، وسط حالة من القلق بين السكان، في ظل تزايد حوادث مماثلة خلال الأسابيع الماضية في أكثر من منطقة سورية.

تحذير من العدالة الفردية

وفي تعليقه على هذه التطورات، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن جميع المتورطين بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة بحق السوريين خلال فترة حكم النظام السابق يجب ألا يفلتوا من العقاب، مشدداً على أن مكانهم الطبيعي هو القضاء المختص، الذي ينبغي أن يتولى محاسبتهم وإنزال العقوبات العادلة بحقهم.

وفي الوقت ذاته، حذر المرصد من أن انتشار خطابات التهديد الجماعي والتحريض العشوائي قد يعرقل مسار العدالة الانتقالية الشاملة التي يسعى السوريون إلى ترسيخها، مؤكداً أن تحقيق العدالة يجب أن يتم عبر المؤسسات القضائية وسيادة القانون، بعيداً عن الانتقام والقصاص الفردي.

اللاذقية.. “التحذير الأخير”

وتأتي منشورات مخيم اليرموك بعد أيام من حادثة مشابهة شهدتها مدينة اللاذقية في 13 حزيران الجاري، حيث ظهرت منشورات وقصاصات ورقية مجهولة المصدر في عدد من الشوارع، حملت رسائل تهديد مباشرة وصيغاً تحريضية أثارت مخاوف واسعة بين الأهالي.

وبحسب ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان، تضمنت المنشورات عبارة: “التحذير الأخير لشبيحة اللاذقية… هاجروا أو الزموا بيوتكم، حسابكم من ثوار 2011″، إلى جانب رمز جرى تداوله خلال الفترة الماضية بوصفه إشارة تحمل دلالات تهديد ورسائل تخويف موجهة إلى فئات محددة.

وأثارت هذه المنشورات ردود فعل متباينة، وسط مخاوف من أن تسهم في إعادة إنتاج خطاب الكراهية والانتقام، في مرحلة تتطلب تعزيز الاستقرار وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون.

تصاعد الاستقطاب وتهديد النسيج المجتمعي

ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المحافظات السورية تمر حالياً بإحدى أخطر المراحل التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنامي خطاب التحريض والاستقطاب الحاد الذي بات يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي وإشعال المزيد من التوترات الداخلية.

ورغم مشروعية المطالب الشعبية المتعلقة بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات المرتبطة بالأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، إلا أن بعض هذه المطالب انحرفت عن مسارها القانوني، واقترنت بأعمال عنف وتخريب واعتداءات استهدفت منازل وممتلكات خاصة ومحالاً تجارية، بذريعة ارتباط أصحابها بالتشبيح.

وفي المقابل، تكشف المعطيات الميدانية عن تصاعد مقلق في التهديدات ذات الطابع الطائفي والديني، بما يقوض أسس التعايش والسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات المجتمعية.

105 ضحايا على خلفيات طائفية منذ مطلع 2026

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، منذ بداية عام 2026، مقتل 105 أشخاص جرى استهدافهم وتصفيتهم بصورة مباشرة على خلفيات طائفية ودينية في مناطق سورية مختلفة، مستفيدين من حالة الفوضى والتحريض المتزايدة.

وتوزعت الحصيلة بين 77 مواطناً من أبناء الطائفة العلوية، و12 من أبناء الطائفة الشيعية، و7 من أبناء الطائفة الدرزية، و6 من أبناء الطائفة المرشدية، إضافة إلى مواطنين اثنين من أبناء الديانة المسيحية، ومواطن واحد من أبناء الطائفة الإسماعيلية.

وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد خطير في وتيرة الاستهدافات ذات الطابع الهوياتي، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الرسمية على احتواء التوترات ومنع توسعها.

تهديدات بالقتل والتهجير في دمشق

وفي العاصمة دمشق، ولا سيما في أحياء المزة ودمر وحي الورود والتجمعات السكنية المحيطة بها، انتشرت منشورات ورسائل تهديد استهدفت عائلات من الطائفة العلوية، تضمنت دعوات صريحة للقتل والتهجير القسري.

وبحسب معلومات حصل عليها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن بعض الشخصيات التي عملت سابقاً كمخبرين أو عناصر تشبيح لدى الأجهزة الأمنية السابقة متورطة في تأجيج الخطاب الطائفي وصياغة عدد من رسائل التهديد، في محاولة لخلط الأوراق وحماية نفسها من المساءلة عبر دفع مجتمعات كاملة نحو الصدام والانقسام.

اتهام “التشبيح” يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات

ولم تقتصر التهديدات على فئة أو طائفة محددة، بل امتدت لتشمل أبناء الطوائف الشيعية والمرشدية والإسماعيلية والمسيحية والدرزية، مستفيدة من ضعف دور المؤسسات القضائية وتراجع قدرة السلطات على ضبط الانتهاكات.

وتشير المعطيات إلى أن اتهام “التشبيح” تحول في بعض الحالات من توصيف سياسي أو جنائي إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية والثارات الفردية والعشائرية، إضافة إلى استخدامه غطاءً لعمليات سلب ونهب استهدفت منازل ومحالاً تجارية على خلفيات مرتبطة بهوية أصحابها.

كما شهد ريفا حمص وحلب تصاعداً في دعوات العزل الاجتماعي والطرد والتطهير العشائري والمناطقي، في مؤشر يعكس تنامي خطاب الانتقام واتساع حضوره في المشهد السوري.

تحذيرات من انهيار السلم الأهلي

وحذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من أن استمرار هذا المسار يهدد ما تبقى من مقومات السلم الأهلي والنسيج المجتمعي السوري، مؤكداً أن التغاضي عن هذه الجرائم أو تبريرها تحت شعارات الثورة أو المحاسبة من شأنه أن يساهم في تعميق الانقسامات وإشعال المزيد من بؤر التوتر والصراع.

كما دعا المرصد جميع القوى المسيطرة والجهات الحكومية والمجالس المحلية إلى التدخل العاجل لوقف أعمال التحريض والانتقام والقصاص الفردي، مؤكداً أن السبيل الوحيد لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا يتمثل في إرساء مسار شامل للعدالة الانتقالية، يضمن محاسبة جميع المتورطين عبر مؤسسات قضائية مستقلة ونزيهة، بعيداً عن أي اعتبارات أو انتماءات طائفية ودينية.

وفي ظل تصاعد الخطاب التحريضي وتزايد الحوادث ذات الطابع الانتقامي، تبدو سوريا أمام تحدٍ جديد يتمثل في كيفية تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، دون الانزلاق إلى دوامة جديدة من الثأر والانقسام، بما يهدد فرص الاستقرار وإعادة بناء المجتمع على أسس العدالة وسيادة القانون.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى