سوريا بعد الوعود الكبرى… لماذا تغرق البلاد أكثر رغم الدعم والانفتاح الدولي؟
من وعود الإنقاذ إلى واقع أكثر قتامة

عندما وصلت السلطة الجديدة إلى الحكم، قدمت نفسها باعتبارها مشروعاً لإنقاذ سوريا من سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية. ورافقت تلك المرحلة وعود كبيرة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين مستوى المعيشة واستعادة الأمن وجذب الاستثمارات وإطلاق مرحلة جديدة من الاستقرار.
لكن بعد مرور أكثر من عام ونصف على تلك الوعود، تبدو الصورة مختلفة تماماً بالنسبة لكثير من السوريين. فبدلاً من الانفراج الاقتصادي، تتسع دائرة الفقر. وبدلاً من الاستقرار الأمني، تتكرر حوادث القتل والسرقة والخطف. وبدلاً من بناء دولة المؤسسات، تتصاعد الانتقادات حول ضعف الإدارة وتغوّل الخطاب الأيديولوجي والديني في بعض مفاصل الحياة العامة.
والسؤال الذي يزداد حضوراً في الشارع السوري اليوم: إذا كانت العقوبات قد تراجعت، وإذا كان الدعم الدولي والخليجي قد تدفق، وإذا كانت العواصم العربية والغربية قد فتحت أبوابها أمام دمشق، فلماذا تبدو أوضاع السوريين أكثر سوءاً من أي وقت مضى؟
رفع العقوبات والدعم الدولي… أين ذهبت النتائج؟
لطالما جرى تقديم العقوبات الدولية باعتبارها السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية السورية. لكن الأشهر الأخيرة شهدت متغيرات كبيرة، من بينها تخفيف ورفع أجزاء من العقوبات، إضافة إلى موجة انفتاح سياسي ودبلوماسي واسعة ودعم عربي وخليجي ودولي غير مسبوق. ومع ذلك، لم ينعكس شيء من هذه التطورات على حياة المواطن العادي.
فالسوري الذي كان ينتظر انخفاض الأسعار وتحسن الخدمات وخلق فرص عمل جديدة، وجد نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء والتدهور الاقتصادي، فيما بقيت الوعود حاضرة في الخطابات وغائبة عن الواقع.
ويرى منتقدون أن السلطة فشلت في تحويل الدعم السياسي والاقتصادي إلى مشاريع حقيقية تخفف معاناة الناس، وأن الفرصة التي قُدمت لها لم تُستثمر بالشكل الذي ينعكس على حياة المواطنين.
الاقتصاد ينهار… والقدرة الشرائية تتبخر
في الأسواق السورية، لا يحتاج المواطن إلى تقارير اقتصادية ليدرك حجم الأزمة. الأسعار ترتفع بصورة شبه يومية، بينما تبقى الرواتب عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وأصبحت معظم الأسر غير قادرة على تغطية احتياجاتها الأساسية دون الاستدانة أو الاعتماد على الحوالات الخارجية أو المساعدات الإنسانية.
ويتحدث مواطنون عن واقع اقتصادي خانق جعل تأمين الغذاء والدواء والوقود والكهرباء تحدياً يومياً، فيما تبدو الحكومة عاجزة عن تقديم حلول ملموسة أو ضبط الأسواق أو حماية الفئات الأكثر فقراً. وبدلاً من الحديث عن التنمية والنمو، باتت الأولوية لدى ملايين السوريين هي البقاء فقط.
الفقر يتمدد… والطبقة الوسطى تختفي
من أخطر التحولات التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة توسع دائرة الفقر إلى مستويات غير مسبوقة. فالعائلات التي كانت تُصنف سابقاً ضمن الطبقة الوسطى أصبحت عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها، بينما انزلقت شرائح جديدة إلى ما دون خط الفقر.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية خطيرة تشمل ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال والتسول والتفكك الأسري والهجرة، ما يهدد البنية الاجتماعية السورية على المدى الطويل.
الأمن المفقود… جرائم تتكرر والدولة غائبة
رغم أن الأمن كان من أبرز الوعود التي رفعتها السلطة الجديدة، فإن الواقع الميداني لا يزال يثير الكثير من التساؤلات.
فحوادث القتل والاغتيالات والسرقات والخطف والاعتداءات المسلحة لا تزال تتكرر في مناطق مختلفة، وسط شعور متزايد لدى المواطنين بأن الأمن ما زال هشاً وأن مؤسسات الدولة لم تنجح في فرض هيبتها بشكل كامل.
ويقول منتقدون إن المواطن السوري لم يلمس حتى الآن تحولاً حقيقياً يجعله يشعر بالأمان، بل إن حالة الخوف والقلق ما زالت جزءاً من الحياة اليومية في العديد من المناطق.
التطرف يعود من أبواب المساجد
في الوقت الذي كان السوريون يأملون فيه بترسيخ خطاب وطني جامع بعد سنوات الحرب والانقسام، تتزايد المخاوف من تنامي الخطابات الدينية المتشددة في بعض المساجد والمنابر.
ويحذر منتقدون من أن بعض المنابر تحولت إلى ساحات للتعبئة الأيديولوجية والتحريض والاستقطاب، بدلاً من أن تكون فضاءات دينية تدعو إلى التسامح والتعايش.
وتزداد خطورة هذا الملف في ظل الفقر والبطالة واليأس، وهي ظروف تعتبر بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتشددة واستقطاب الشباب.
المدارس والجامعات… منابر تعليم أم ساحات أيديولوجية؟
لم تسلم المؤسسات التعليمية من الجدل المتصاعد. فخلال الأشهر الماضية أثارت مقاطع وصور متداولة من بعض المدارس والجامعات موجة واسعة من الانتقادات، بعد ظهور شعارات وخطابات اعتبرها كثيرون ذات طابع ديني أو أيديولوجي متشدد.
ويرى تربويون أن إدخال أي توجهات عقائدية أو سياسية إلى العملية التعليمية يشكل خطراً مباشراً على مستقبل الأجيال القادمة، ويهدد دور المدرسة والجامعة كمؤسسات وطنية جامعة لكل السوريين.
الفساد… العدو الذي لم تتم محاربته
رغم الوعود المتكررة بمكافحة الفساد ومحاسبة المتورطين وإصلاح مؤسسات الدولة، لا يزال هذا الملف حاضراً بقوة في أحاديث المواطنين. فكثير من السوريين يتساءلون عن أسباب استمرار مظاهر الفساد والمحسوبيات وسوء الإدارة، وعن الجهات التي استفادت من الدعم والانفتاح والمساعدات دون أن ينعكس ذلك على حياة الناس.
ويرى مراقبون أن أي مشروع للإصلاح الاقتصادي أو الإداري لن ينجح ما لم يترافق مع خطوات حقيقية لمواجهة الفساد ومحاسبة المسؤولين عن هدر الموارد والمال العام.
خدمات منهارة وحياة يومية تزداد قسوة
في مختلف المدن والبلدات السورية، تتكرر الشكاوى نفسها: كهرباء غير مستقرة وأسعار مرتفعة جداً، بنية تحتية متدهورة، خدمات بلدية ضعيفة، انتشار النفايات، ومؤسسات تعاني من الترهل وسوء الإدارة.
ومع كل أزمة جديدة، يشعر المواطن بأن الأعباء تتزايد بينما تغيب الحلول. فحتى الخدمات الأساسية التي يفترض أن تشكل الحد الأدنى من واجبات الدولة تجاه مواطنيها ما زالت بعيدة عن مستوى التوقعات.
فجوة ثقة تتسع بين الشارع والسلطة
ربما تكون أخطر أزمة تواجه الحكومة اليوم هي أزمة الثقة. فكلما ارتفع سقف الوعود دون نتائج ملموسة، ازداد شعور المواطنين بالإحباط وخيبة الأمل.
والكثير من السوريين الذين استقبلوا المرحلة الجديدة بقدر من التفاؤل باتوا اليوم أكثر تشاؤماً، بعدما لم يلمسوا تحسناً فعلياً في الأمن أو الاقتصاد أو الخدمات أو مستوى المعيشة.
هل فشلت السلطة في أول اختبار حقيقي؟
بعد كل ما حصل من دعم دولي وخليجي، وبعد رفع جزء مهم من العقوبات، وبعد الانفتاح السياسي غير المسبوق الذي حظيت به السلطة الجديدة، لا تزال حياة السوريين تتجه نحو مزيد من الصعوبة.
واليوم لم يعد السؤال المطروح في الشارع السوري: ماذا تعدنا الحكومة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا حققت الحكومة فعلياً؟
فبالنسبة لملايين السوريين، لا قيمة للخطابات السياسية ولا للاحتفالات الدبلوماسية ولا للوعود المتكررة إذا كان المواطن عاجزاً عن شراء احتياجاته الأساسية، وإذا كانت الجريمة تتصاعد، والفقر يتمدد، والخدمات تتراجع، والخطابات المتشددة تتسلل إلى المساجد والمدارس والجامعات.
ومع استمرار هذا الواقع، يرى منتقدون أن السلطة لا تواجه مجرد أزمة اقتصادية أو أمنية، بل تواجه أزمة شرعية شعبية متنامية، عنوانها الأبرز أن السوريين لم يلمسوا حتى الآن ثمار كل ما قيل عن الدعم والانفتاح والمرحلة الجديدة.



