هجـ ـمـ ـات متصاعدة تضـ ـرب المؤسسات الأمـ ـنـ ـية في سوريا.. هل يستعيد د11عـ ـش زمام المبادرة؟

تشهد سوريا خلال الأشهر الأخيرة تصـ ـاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجـ ـمـ ـات التي تستهـ ـدف عنـ ـاصر الجيـ ـش وقـ ـوى الأمـ ـن الداخلي والحواجـ ـز الأمـ ـنـ ـية، إلى جانب محاولات اغـ ـتيـ ـال شخصيات حكومية وقضـ ـائية، في وقت تتوزع فيه المسـ ـؤولية بين عمـ ـليات يتـ ـبنـ ـاها د11عـ ـش بشكل مباشر، وأخرى تبقى مجهـ ـولة المنـ ـفـ ـذين، ما يثير تسـ ـاؤلات متزايدة حول طبيعة الجهة التي تقـ ـف خـ ـلف هذه الهجـ ـمـ ـات وحجم التهـ ـديد الأمـ ـني الذي تواجـ ـهه البلاد في المرحلة الانتقالية.

وتشير تقديرات أمـ ـنـ ـية وعسـ ـكرية مقربة من وزارة الدفاع إلى أن تنـ ـظـ ـيم د11عـ ـش يقـ ـف وراء الغالبية العظمى من هذه العمـ ـليات، مستفيداً من مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الفـ ـراغ الأمـ ـني الناتج عن التحولات السياسية وإعادة هيكلة المؤسسات العسـ ـكرية والأمـ ـنـ ـية، إضافة إلى الظروف الجغرافية المعقدة التي توفر للتـ ـنظـ ـيم مساحة للحـ ـركة وإعادة تنـ ـظـ ـيم صـ ـفـ ـوفه.

وخلال الأسابيع الماضية، تعرضت عدة مواقع عسكرية وأمنية لهجمات متفرقة، شملت استهداف حافلات عسكرية وحواجز ونقاط تفتيش، فضلاً عن عمليات تفجير استهدفت شخصيات قضائية وإدارية، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق متفرقة من البلاد، من شمال شرقي سوريا وصولاً إلى العاصمة دمشق.

ويرى متابعون للشأن الأمني أن طبيعة هذه العمليات تحمل بصمات تنظيم داعش، سواء من حيث اعتماد الهجمات الانتحارية أو استخدام العبوات الناسفة والاستهداف المباشر للمركبات العسكرية ونقاط التفتيش، وهي تكتيكات لطالما استخدمها التنظيم لإحداث تأثير نفسي وإعلامي يتجاوز حجم خسائره البشرية والمادية.

ويأتي هذا التصعيد في مرحلة حساسة تشهد إعادة تشكيل للمشهد العسكري السوري، في ظل استمرار جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل وتترك في بعض المناطق فراغات أمنية مؤقتة، خصوصاً في المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية التي كانت تعتمد سابقاً على هذه القوات التي لعبت دور الضامن الأمني الرئيسي.

كما أن التحولات المتعلقة بدور الولايات المتحدة والتحالف الدولي في سوريا تفتح المجال أمام الجماعات المتشددة للاعتقاد بأن مستوى الضغط الدولي تراجع، ما يمنحها فرصة لإعادة تنشيط خلاياها النائمة واستغلال أي ضعف في منظومة المراقبة والانتشار، فضلاً عن تغلغل عناصر التنظيم ضمن هيكلية الجيش السوري التي لا تخضع لرقابة متشددة في قبول المنتسبين.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن تنظيم داعش لا يزال يحتفظ بشبكة من الخلايا الصغيرة والمتفرقة في المناطق الصحراوية والمراكز الحضرية التي سبق أن شكلت معاقل رئيسية له، مثل الرقة ودير الزور ومنبج، حيث تمتلك هذه الخلايا خبرة واسعة في تنفيذ العمليات الانتحارية واستخدام المتفجرات والتخفي ضمن البيئات المحلية.

وفي المقابل، شنت وزارة الداخلية، بالتعاون مع الأجهزة الاستخباراتية وإدارة مكافحة الإرهاب، حملات أمنية خلال الأشهر الماضية، وتمكنت من تفكيك عدد من الخلايا واعتقال عدد من المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم.

إلا أن هذه الضربات الأمنية، بحسب تقديرات مختصين، قد تدفع التنظيم إلى تكثيف عملياته كرد فعل مباشر، بهدف إثبات حضوره وإظهار قدرته على اختراق المنظومة الأمنية، فضلاً عن رفع معنويات عناصره وإرباك المؤسسات العسكرية عبر إجبارها على توزيع قواتها على جبهات ومناطق متعددة.

وتبرز المناطق الصحراوية الممتدة بين الرقة والشدادي والحدود العراقية كأحد أبرز التحديات الأمنية، نظراً لصعوبة مراقبتها بشكل كامل، وضعف البنية التحتية الأمنية في بعض النقاط الحدودية، الأمر الذي يمنح الخلايا المتشددة مساحة للمناورة والتنقل وإعادة التموضع.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو سوريا أمام تحد أمني متجدد يتمثل في منع التنظيم من استغلال المرحلة الانتقالية وإعادة إنتاج نفسه بصورة جديدة. ويرى مختصون أن الحل الأكثر استدامة يكمن في تسريع عملية توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وسد الثغرات التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتشددة، بما يضمن منع عودة التنظيم إلى استعادة نفوذه أو فرض نفسه لاعباً أمنياً مؤثراً من جديد.

ومع استمرار الهجمات المتفرقة واتساع رقعتها الجغرافية، تبقى قدرة السلطة على إدارة المرحلة الانتقالية وتعزيز التنسيق بين أجهزتها الأمنية والعسكرية عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه العمليات تمثل موجة مؤقتة من العنف، أم بداية مرحلة جديدة من النشاط المسلح الذي يسعى داعش من خلالها إلى إعادة إثبات وجوده في المشهد السوري.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى