معـ ـركة كـ ـسر العظم في تركيا.. إردوغان يضغط وأوزيل يتحدى وكليتشدار أوغلو يرفض التراجع

فيما تتواصل أزمـ ـة القيادة داخل حزب الشعب الجمهوري المعارض، صعّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هجـ ـومه على الحزب، متـ ـهماً قياداته بالعـ ـجز والانشغال بالصـ ـراعات الداخلية، في وقت يواصل فيه رئيس الحزب المنتخب أوزغور أوزيل تحركاته الشعبية للضغط من أجل استعادة قيادة الحزب، بينما يتمسك كمال كليتشدار أوغلو برفـ ـض الدعوات لعقد مؤتمر استثنائي، ما يعمق الانقـ ـسـ ـام داخل أكبر أحزاب المعارضة التركية ويضعه أمام مرحلة مفصلية مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
انتقادات حادة من إردوغان
ووجّه الرئيس التركي انتقادات لاذعة إلى حزب الشعب الجمهوري، مستحضراً مواقف سابقة لقياداته التي اتهمت الحكومة بتحويل السياسة الخارجية إلى أداة دعائية. وأكد أن تركيا لم تكن يوماً طرفاً هامشياً في أزمات المنطقة، بل لعبت دوراً أساسياً في إدارة الملفات الإقليمية، مستشهداً بالتحركات الدبلوماسية المتعلقة بالحرب الإيرانية الأخيرة.
واعتبر إردوغان أن السياسة الخارجية تحتاج إلى الخبرة والقدرة على إدارة الأزمات، متهماً المعارضة بالانشغال بصراعاتها الداخلية في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تتحرك دبلوماسياً لتخفيف التوترات الإقليمية وحماية المصالح التركية. كما سخر من الأزمة التنظيمية التي يعيشها الحزب، مشيراً إلى أن قادته عاجزون حتى عن تنظيم مؤتمر عام بعيداً عن الجدل والخلافات.
وتأتي تصريحات إردوغان في وقت يرى فيه مراقبون أن السلطة تسعى إلى استثمار الانقسامات داخل المعارضة لإضعافها قبل الانتخابات المقبلة، خصوصاً أن الشعب الجمهوري تمكن منذ الانتخابات البلدية عام 2024 من تصدر المشهد السياسي وتسجيل تقدم ملحوظ على الحزب الحاكم في استطلاعات الرأي.
أوزيل ينقل المعركة إلى الشارع
وفي المقابل، يواصل أوزغور أوزيل حملة التصعيد ضد ما يعتبره محاولة لإقصائه عن قيادة الحزب، مؤكداً أن معركته لم تعد مقتصرة على المؤسسات الداخلية، بل انتقلت إلى الشارع وبين القواعد الشعبية.
وخلال لقاءات جماهيرية، شدد أوزيل على أن حزبه حقق تحولاً كبيراً بعد انتخابات عام 2024، حين أصبح القوة السياسية الأولى في البلاد بعد عقود طويلة من هيمنة حزب العدالة والتنمية. ورأى أن الأزمة الحالية ليست سوى محاولة لوقف هذا الصعود ومنع المعارضة من الوصول إلى السلطة في الانتخابات المقبلة.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تواصلاً مباشراً مع المواطنين، بعيداً عن ما وصفه بالسياسات التقليدية، مشيراً إلى أن هدفه هو استعادة الحزب والحفاظ على مسيرته السياسية حتى النهاية. كما جدد التأكيد على أن خيار تأسيس حزب جديد لا يزال مطروحاً، لكنه يبقى الخيار الأخير في حال فشلت جميع المساعي لاستعادة القيادة الشرعية للحزب.
معركة المؤتمر العام
الأزمة تفاقمت بعد تقديم مئات المندوبين طلباً رسمياً لعقد مؤتمر استثنائي، وفقاً للنظام الداخلي للحزب، بهدف انتخاب قيادة جديدة وإنهاء حالة الانقسام القائمة.
غير أن كمال كليتشدار أوغلو، الذي عاد إلى رئاسة الحزب بصورة مؤقتة بقرار قضائي بعد إبطال نتائج المؤتمر العام لعام 2023، أبدى تمسكه برفض عقد مؤتمر استثنائي، معتبراً أن أي عملية انتخابية تعتمد على المندوبين الحاليين قد تواجه الطعن مجدداً وتتعرض للإلغاء من قبل القضاء.
ويؤكد كليتشدار أوغلو أن الحل يجب أن يكون عبر المؤتمر العام العادي، وليس من خلال خطوات استثنائية قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها. كما حاول النأي بنفسه عن الاتهامات الموجهة إليه بالسعي للهيمنة على الحزب، مشيراً إلى أنه لم يكن طرفاً في الدعوى القضائية التي أدت إلى إبطال المؤتمر السابق، وأن عودته المؤقتة تختلف عن فرض وصاية على الحزب.
وبموجب اللوائح الداخلية، يتعين عليه الرد على طلب المندوبين خلال أسبوع، وفي حال عدم الاستجابة، يحق للمتقدمين بالطلب اللجوء إلى القضاء، الذي سيبت في شرعية عقد المؤتمر خلال فترة قصيرة.
صراع يهدد مستقبل المعارضة
وتكشف الأزمة المتواصلة داخل الشعب الجمهوري عن انقسام غير مسبوق بين جناحين؛ الأول يقوده أوزيل ويدعو إلى تجديد الحزب والانطلاق نحو الانتخابات المقبلة بقيادة جديدة، والثاني يتمسك بقيادة كليتشدار أوغلو باعتبارها الضامن لمنع الوقوع في مزيد من الفوضى التنظيمية.
ويرى متابعون أن استمرار الصراع الداخلي قد يؤدي إلى إضعاف المعارضة في مواجهة تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية، في وقت تتزايد فيه التكهنات حول احتمال إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل موعدها في عام 2028، بما يسمح للرئيس رجب طيب إردوغان بالترشح مجدداً.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن حزب الشعب الجمهوري يواجه اختباراً حاسماً، فإما أن يتمكن من تجاوز خلافاته الداخلية والحفاظ على زخمه السياسي، أو أن تتحول الأزمة الحالية إلى نقطة تحول تعيد رسم موازين القوى داخل المعارضة التركية، وتمنح الحزب الحاكم فرصة جديدة لترسيخ موقعه في المشهد السياسي خلال السنوات المقبلة.



