تقرير أممي يضع سوريا ضمن بؤر الجوع العالمية رغم سيطرة السلطة على الموارد
عائدات النفط والمعابر والاستثمارات لا تنعكس على حياة السوريين وسط اتهامات بفساد وسوء إدارة وتآكل القدرة الشرائية

في صفعة جديدة للرواية الرسمية التي بشّرت السوريين بانفراج اقتصادي وشيك وتحسن سريع في الأوضاع المعيشية، صنّف تقرير أممي حديث سوريا ضمن 13 “بؤرة ساخنة للجوع” في العالم خلال الفترة الممتدة من حزيران/يونيو إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2026، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد وازدياد أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية.
هذا التصنيف لا يمثل مجرد رقم في تقرير دولي، بل يعكس واقعاً قاسياً يعيشه ملايين السوريين الذين ما زالوا يكافحون يومياً لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، في وقت تتواصل فيه الوعود السياسية والاقتصادية دون أن ينعكس معظمها على حياة المواطنين.
أين ذهبت الوعود؟
طوال الأشهر الماضية، جرى تسويق خطاب واسع يقول إن العقوبات كانت السبب الرئيسي للأزمة السورية، وإن أي تخفيف أو رفع لها سيفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات وتحريك الأسواق وخلق فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة. بل إن كل من طالب بالشفافية والمساءلة أو حذر من الإفراط في التفاؤل وضرورة الرقابة على إدارة الموارد والأموال، وُوجه بحملات تخوين واتهامات بمحاولة عرقلة “فرصة تاريخية” لإنقاذ البلاد.
لكن الوقائع اليوم تبدو أكثر قسوة من الشعارات. فبدلاً من أن تخرج سوريا من دائرة الأزمات الإنسانية، تجد نفسها مجدداً في قائمة الدول الأكثر عرضة للجوع في العالم. وبدلاً من الحديث عن تعافٍ اقتصادي، تتزايد مؤشرات الفقر والعوز والانهيار المعيشي، بينما تتآكل القدرة الشرائية للسكان إلى مستويات غير مسبوقة.
الجوع لا يكذب
التقارير الدولية لا تُبنى على الخطابات السياسية ولا على الحملات الإعلامية، بل على مؤشرات تتعلق بالدخل وأسعار الغذاء والقدرة على الوصول إلى الاحتياجات الأساسية ومستويات سوء التغذية وحجم المساعدات المطلوبة لمنع الكارثة الإنسانية.
وعندما تُصنّف سوريا ضمن أخطر بؤر الجوع عالمياً، فهذا يعني أن ملايين السوريين ما زالوا عاجزين عن تأمين غذائهم بصورة مستقرة، وأن الأزمة تجاوزت كونها أزمة اقتصادية عابرة لتصبح تهديداً مباشراً للأمن الإنساني والغذائي.
المشكلة أعمق من العقوبات
يكشف الواقع الحالي أن اختزال المأساة السورية كلها في ملف العقوبات كان تبسيطاً مضللاً لأزمة أكثر تعقيداً. فحتى مع التحولات السياسية والاقتصادية التي جرى الترويج لها، بقيت الأسباب البنيوية للأزمة على حالها: ضعف المؤسسات، وتراجع الإنتاج، وغياب الخطط الاقتصادية الواضحة، واستمرار الفساد وسوء الإدارة، وانعدام الرقابة والمحاسبة.
ولا يمكن فصل أزمة الجوع المتفاقمة في سوريا عن حالة الفساد التي ما زالت تنخر مؤسسات الدولة، والتي يرى كثير من السوريين أنها باتت تعيد إنتاج ممارسات الحقبة السابقة بأشكال مختلفة. ففي الوقت الذي تُصنّف فيه البلاد ضمن أخطر بؤر الجوع في العالم، تتصاعد التساؤلات حول مصير الأموال والاستثمارات الموعودة، وحول شبكات المصالح التي تستفيد من الاقتصاد المنهار بينما تغرق غالبية السكان في الفقر والعوز.
وتزداد هذه التساؤلات مع استمرار الحديث عن موارد وإيرادات ضخمة يُفترض أنها تدخل إلى خزينة الدولة. فهناك عائدات النفط والغاز، وإيرادات الموانئ والمعابر الحدودية، ورسوم العبور والنقل، والاستثمارات والاتفاقيات الاقتصادية التي أُعلن عنها خلال الفترة الماضية، فضلاً عن المشاريع التي قُدمت للرأي العام باعتبارها بداية مرحلة اقتصادية جديدة.
ومع ذلك، لا يلمس السوريون أي انعكاس حقيقي لهذه الموارد على حياتهم اليومية. فلا تحسن ملموس في مستوى المعيشة، ولا تراجع حقيقياً في نسب الفقر، ولا حلولاً جذرية للأزمات الاقتصادية المتراكمة.
فإذا كانت خزينة الدولة تستفيد من عائدات النفط والغاز، وإذا كانت المعابر والموانئ تدرّ إيرادات متزايدة، وإذا كانت الشركات الأجنبية تعود للاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية، فأين تذهب هذه الأموال؟ ولماذا لا تنعكس على تحسين الخدمات أو دعم الليرة أو تخفيف الفقر أو وقف الانهيار المعيشي؟
ويشير منتقدون إلى أن السوريين لم يلمسوا انعكاساً حقيقياً للوعود الاقتصادية على حياتهم اليومية، في وقت تتزايد فيه الأحاديث عن صفقات مشبوهة ومشاريع لا تظهر نتائجها على أرض الواقع، وعن تدفقات مالية غير واضحة المعالم، بينما تتراجع القدرة الشرائية وتتسع رقعة الجوع والفقر.
هذه الأسئلة لا تُطرح من باب المزايدة السياسية، بل لأن ملايين السوريين الذين يُصنَّفون اليوم ضمن أكثر شعوب العالم تعرضاً للجوع يرون بأعينهم اتساع الفجوة بين ما يُعلن من مشاريع واتفاقيات واستثمارات وبين واقعهم اليومي. فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن نمو الإيرادات وتوسع النشاط الاقتصادي، ما يزال المواطن عاجزاً عن تأمين احتياجاته الأساسية، وما تزال التقارير الدولية تضع سوريا على قائمة بؤر الجوع العالمية.
فإذا كان السوريون قد ثاروا يوماً على منظومة فساد حوّلت الدولة إلى مزرعة لمجموعة ضيقة من المنتفعين، فإن السؤال المطروح اليوم هو: ما الذي تغيّر فعلياً إذا كانت الثروة والفرص ما تزال تتركز في أيدي قلة، بينما يُترك ملايين السوريين لمواجهة الجوع وانعدام الأمن الغذائي؟
ولهذا لم تتحول الوعود إلى نتائج، ولم تتحول التصريحات إلى فرص عمل، ولم تتحول الآمال التي رُفعت أمام السوريين إلى تحسن ملموس في حياتهم اليومية.
فشل الوعود أم فشل الإدارة؟
اليوم، وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن الجوع، لا عن التعافي، يجد السوريون أنفسهم أمام واقع يناقض تماماً الصورة التي رُسمت لهم قبل أشهر. فالدولة التي قيل إنها تتجه نحو الاستقرار الاقتصادي تُصنّف الآن بين أكثر مناطق العالم عرضة لانعدام الأمن الغذائي.
والسؤال الذي لم يعد ممكناً تجاهله: إذا كانت العقوبات هي المشكلة الوحيدة كما قيل للسوريين، فلماذا ما تزال سوريا ضمن قائمة الجوع العالمية بعد كل هذه الوعود؟ وإذا كانت أبواب التعافي قد فُتحت بالفعل، فلماذا يزداد عدد المحتاجين، ولماذا تتسع دائرة الفقر، ولماذا ما زالت التقارير الدولية تدق ناقوس الخطر؟
إن إدراج سوريا بين 13 بؤرة جوع في العالم ليس مجرد مؤشر اقتصادي سلبي، بل شهادة دولية قاسية على حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، وبين الوعود التي أُطلقت والنتائج التي تحققت. كما أنه يسلّط الضوء على أزمة إدارة وحوكمة ومحاسبة لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية نفسها، حيث تبدو الأولوية لدى بعض دوائر النفوذ تحقيق المكاسب وعقد الصفقات، فيما يواجه المواطن السوري أبسط معارك البقاء وتأمين لقمة العيش.
وبينما ينتظر السوريون حلولاً حقيقية، يبدو أن الجوع أصبح أكثر حضوراً من كل الوعود التي قيل لهم إنها ستغيّر مستقبلهم.



