لبنان.. الفـ ـخ السوري الجديد برعاية ترامب: مقـ ـامرة الهـ ـروب إلى الأمام ومخـ ـاوف سيناريو الكويت

بقلم: عبد العزيز كنعان
لم يكد الحبر الذي كُتبت به مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحـ ـرب يجف، حتى أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلط الأوراق الإقليمية من بوابة لبنان. فخلال قمة مجموعة السبع، كرر ترامب وبإصرار لافت أطروحته المثيرة للجدل حين قال إن سوريا هي من سيتعامل مع مشكلة حـ ـز…ب الله بدلاً عن إسرائيل، وأن بلاده تدعم ذلك بالكامل.
هذا الإصرار الأمريكي يضع الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع أمام اختبار نوايا وقدرات حـ ـرج، ويكشف عن حجم الضغوط والكواليس التي تُطبخ فيها صفقة رفع العقوبات ومشاريع إعادة الإعمار مقابل الالتزامات الأمـ ـنـ ـية. ورغم النفي الرسمي الحازم من قِبل الشرع لعزم حكومته التـ ـدخل عسـ ـكرياً في لبنان، إلا أن تكرار ترامب للمطلب يوحي بأن ثمة ثمناً باهظاً يُطلب من دمشق لفك عزلتها الدولية وإعادة دمجها في النظام العالمي. هذا الطرح يفتح الباب واسعاً أمام قراءة ارتدادات هذا السيناريو على خارطة النفوذ المعقدة بين إسرائيل، تركيا، إيران، والدول العربية.
المقايضة الأمريكية: صك الغفران مقابل الوصاية البديلة
تبدو استراتيجية الصفقات والتعهيد الأمني التي يفضلها ترامب واضحة؛ إنه يريد نقل كلفة الصراعات وتفكيك الميليشيات لحلفاء أو لخصوم سابقين. بالنسبة لدمشق، الخارطة المعروضة خلف الستار واضحة: تريد واشنطن إخراج سوريا من الوصاية التركية الحالية، ودفعها لإعادة إنتاج وصايتها السابقة على لبنان ولكن بوظيفة معكوسة تماماً هذه المرة، وهي تفكيك ترسانة حزب الله وضمان أمن الحدود الشمالية لإسرائيل.
أما بالنسبة لحكومة الشرع، التي ورثت بلاداً خرجت لتوها من حرب أهلية طاحنة استمرت 15 عاماً، وتئن تحت وطأة أزمات اقتصادية، اجتماعية، وأمنية خانقة، قد يبدو الهروب إلى الأمام نحو لبنان مخرجاً مغرياً لشرعنة وجودها. إنه يضمن تدفق الدعم الغربي، ويرفع العقوبات، والأهم من ذلك أنه يوفر للسلطة الانتقالية قضية خارجية كبرى تُشغل بها الرأي العام الداخلي، وتؤجل بها الاستحقاقات الدستورية الملحة والملفات الاقتصادية المعقدة المترتبة على مرحلة ما بعد الحرب.
الفيتو الإسرائيلي: إرهاب بربطة عنق
على المقلب الآخر، لا يبدو أن الحماس الأمريكي يجد صدىً مرحباً به في تل أبيب. جاء الرد حاسماً وعلى لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي رفع فيتو بلاده بوجه أي تدخل سوري، واصفاً رئيس الحكومة السورية بعبارة لا تخلو من الدلالة حين قال إنهم لا يحتاجون إلى إرهاب بربطة عنق. تعكس هذه العبارة توجساً إسرائيلياً من منح الشرعية لنظام دمشق الجديد قبل نيل ضمانات كاملة ومكتوبة.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الموقف الإسرائيلي ليس قاطعاً بالمطلق، بل هو محكوم بمدى التبعية السورية لأنقرة. فإذا نجحت الضغوط الأمريكية في كف اليد التركية عن دمشق، وضمان خروج سوريا بالكامل من الحاضنة التركية ومنع صعود تيارات إسلامية معادية على حدودها، قد تجد إسرائيل مصلحة في قبول دور سوري مقيد في لبنان، يحجم حزب الله ويملأ الفراغ دون أن يشكل تهديداً استراتيجياً عليها.
المعضلة التركية: طموح طرابلس وبوابة السنة
تركيا، التي تمتلك النفوذ الأكبر في الساحة السورية حالياً، أعلنت رفضها لهذا التوجه. لكن خلف الرفض المعلن، تكمن حسابات جيوسياسية مغايرة؛ إذ يشير المحللون إلى أن أنقرة قد تدفع دمشق في هذا الاتجاه بشرط أن يضمن ذلك لتركيا موطئ قدم علني في الساحة اللبنانية، وتحديداً عبر بوابة طرابلس والمناطق السنية في الشمال اللبناني، مستغلة الفراغ القيادي الحالي في الطائفة السنية هناك.
غير أن هذا الطموح التركي يصطدم مباشرة بالخطوط الحمراء الإسرائيلية، حيث لن تسمح تل أبيب بتمدد النفوذ التركي وطموحاته الإقليمية ليكون على حدودها الشمالية بدلاً من النفوذ الإيراني، مما يجعل المقايضة التركية السورية والتوافق حولها أمراً بالغ التعقيد والخطورة.
الرد الإيراني: صواريخ قد تدك دمشق وتحريك الحشد
أما طهران، التي تخوض بالتوازي مفاوضات معقدة مع واشنطن حول أمن مضيق هرمز وملفها النووي، فلن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى حليفها الأبرز وجوهرة تاج نفوذها الإقليمي، حزب الله، يُصفى بقرار أمريكي وأيادٍ سورية. إن خروج لبنان من الفلك الإيراني يعني تراجعاً استراتيجياً لن تقبله طهران دون أثمان باهظة.
الرد الإيراني على أي تحرك سوري في لبنان سيكون عنيفاً ومباشراً؛ فقد نشهد تساقطاً للصواريخ الإيرانية أو الطائرات المسيرة التابعة لحلفائها مباشرة على دمشق لإرباك النظام الانتقالي وإثبات هشاشته الأمنية. وربما ستلجأ طه…



