عودة شبح المجـ ـازر إلى الساحل… تحركات عسـ ـكرية تثير مخاوف من تصعيد دمـ ـوي جديد

بعد أكثر من عام على أحداث آذار 2025 الدامية التي هزّت الساحل السوري وتركت وراءها مئات الضحايا وآلاف الأسر المكلومة، تعود المخاوف مجدداً إلى الواجهة مع ظهور مؤشرات ميدانية وأمنية يرى مراقبون أنها تشبه إلى حد كبير المقدمات التي سبقت تلك المرحلة.

ففي وقت تتحدث فيه دمشق عن الاستقرار وبسط سلطة الدولة، تتزايد على الأرض عمليات الحشد الأمني والعسكري، وتظهر تشكيلات جديدة قادمة من إدلب، بينما يتصاعد خطاب “ملاحقة الفلول” و”أنصار النظام السابق” بصورة لافتة. وبالنسبة لكثير من أبناء الساحل، فإن هذه التطورات لا تبدو مجرد إجراءات أمنية عادية، بل إشارات تنذر بإمكانية إطلاق موجة جديدة من الانتهاكات والمجازر ضد المجتمع العلوي تحت العناوين نفسها التي سبقت أعمال القتل والتصفية.

قوة متشددة جديدة تصل إلى الساحل

وفي تطور يثير الكثير من علامات الاستفهام، كشفت معلومات نشرتها فوكس برس في 17 حزيران/يونيو الجاري، نقلاً عن مصادر محلية، عن وصول قوة عسكرية تضم نحو 300 مسلح إلى منطقة بملكة في ريف الساحل السوري، بقيادة شخص يُعرف باسم “أبو مجاهد الأنصاري”.

ووفق المصادر، فإن معظم عناصر هذه القوة قدموا من محافظة إدلب وينتمون إلى تشكيلات عسكرية وأمنية متشددة مرتبطة بالفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع السورية. كما تشير التقديرات إلى أن هذه التشكيلات تضم عدداً من العناصر الأجنبية التي لعبت أدواراً بارزة خلال سنوات الحرب.

وتفيد المعلومات بأن هذه القوة لم تُنقل إلى الساحل بهدف حماية المدنيين أو فرض الأمن العام، بل أُنيطت بها مهام القيام بارتكاب المجازر في المناطق ذات الغالبية العلوية.

الساحل تحت الضغط

تزامناً مع وصول القوة الجديدة، شهدت مدينة طرطوس سلسلة حوادث أمنية غامضة، شملت إحراق عدد من كراجات ومواقف السيارات، إضافة إلى توقيف شبان في مواقع مختلفة داخل المدينة.

وتؤكد مصادر محلية أن هذه التطورات أدت إلى تصاعد حالة الخوف والقلق بين السكان، خاصة مع انتشار روايات تتحدث عن تحركات ليلية مكثفة لعناصر المجموعات المسلحة الجديدة، واتهامات لها بالتورط في عمليات ترهيب وسرقة ونهب داخل بعض المناطق التي تنتشر فيها.

كما تشير المعلومات إلى أن مقر هذه القوة أُقيم داخل موقع عسكري سابق تابع للجيش السوري في منطقة بملكة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على نية البقاء لفترة طويلة وتوسيع النشاط الأمني في المنطقة.

مخاوف من موجة تصفيات جديدة

وترى أوساط محلية أن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود هذه التشكيلات المسلحة فحسب، بل في المناخ السياسي والإعلامي الذي يرافق عملها، حيث يجري تصوير أي اعتراض أو انتقاد أو رفض للواقع القائم على أنه نشاط مرتبط بـ”فلول النظام” أو “أنصار الأسد”.

ويحذر ناشطون من أن هذا الخطاب قد يتحول إلى مبرر جاهز لإطلاق موجة جديدة من المجازر والتصفيات الميدانية، على غرار المجازر التي شهدتها مناطق مختلفة من الساحل السوري خلال آذار 2025.

كما تتحدث مصادر متابعة عن مخاوف من توسيع عمليات المراقبة الأمنية والتنصت على الاتصالات الهاتفية وتتبع النشاط الإلكتروني والاجتماعي لأبناء الطائفة العلوية، في إطار ما تصفه تلك المصادر بمحاولات لإحكام السيطرة الأمنية وجمع المعلومات عن الشخصيات والفعاليات المحلية.

تهجير صامت وتغيير ديمغرافي؟

وتلفت مصادر محلية إلى أن التحركات الأخيرة لا تُفهم فقط من زاوية الأمن والعسكر، بل ترتبط أيضاً بضغوط متزايدة تدفع بعض العائلات إلى التفكير بمغادرة مناطقها أو بيع ممتلكاتها.

وبحسب هذه الروايات، فإن نشر الخوف وعدم الاستقرار وإبقاء المجتمع المحلي تحت التهديد المستمر قد يؤديان إلى خلق واقع جديد يفضي إلى تهجير غير معلن للسكان، وهو ما يثير مخاوف من حدوث تغييرات ديمغرافية تدريجية في بعض مناطق الساحل.

أين تقف الاستخبارات التركية؟

وفي موازاة ذلك، تتزايد التساؤلات حول الدور الإقليمي في إدارة المشهد الأمني داخل سوريا، ولا سيما الدور التركي.

فبحسب تقديرات ومعلومات متداولة بين أوساط سياسية وأمنية، فإن انتقال مجموعات ذات خلفيات متشددة من إدلب إلى الساحل، وتحركها ضمن تشكيلات رسمية مرتبطة بوزارة الدفاع، يثير علامات استفهام حول طبيعة الجهات التي تشرف على هذه العمليات وتنسقها.

ويرى مراقبون أن النفوذ التركي الواسع داخل عدد من الفصائل التي اندمجت لاحقاً ضمن المؤسسات العسكرية الجديدة يجعل من الصعب فصل التحركات الجارية عن المصالح والحسابات الأمنية لأنقرة، خاصة في ظل السجل الطويل من العلاقات والتنسيق بين أجهزة الاستخبارات التركية وعدد من الفصائل المسلحة العاملة سابقاً في الشمال السوري.

ورغم عدم وجود أدلة معلنة تثبت تورطاً مباشراً للاستخبارات التركية في الأحداث الجارية بالساحل، فإن حجم النفوذ التركي داخل البنية العسكرية والأمنية للفصائل السابقة يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن أنقرة تتابع عن كثب ما يجري، وأنها تملك قدرة كبيرة على التأثير في مسار هذه العمليات.

الساحل أمام مرحلة خطيرة

كل المؤشرات القادمة من الساحل السوري توحي بأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة شديدة الحساسية. فانتشار تشكيلات مسلحة جديدة، وتصاعد الخطاب التحريضي، واستمرار عمليات الاعتقال والترهيب، وتزايد المخاوف من تكرار عمليات التصفية تحت عنوان “ملاحقة الفلول”، كلها عوامل تدفع السكان إلى القلق من أن تكون الأحداث الأخيرة مقدمة لجولة جديدة من العنف.

 

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى