تفاهمات سـ ـرية مع “الموساد”.. استنساخ “التجربة الدرزية” في الساحل لمواجـ ـهة التمـ ـدد التركي

تشهد الساحة السورية تحولات جيوسياسية متسارعة تتجاوز حدود الصـ ـراع التقليدي، حيث كشفت مصادر مطلعة عن كواليس تحـ ـركات استخـ ـباراتية إقليمية تقودها إسرائيل، تهدف إلى إعادة رسم خارطة التحالفات في مناطق النفـ ـوذ السوري، لا سيما في وسط وغرب البلاد. وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه قوى إقليمية، وفي مقدمتها تركيا، إلى تثبيت خطوط نفـ ـوذها وتوسيع مشاريعها السياسية والعسـ ـكرية داخل الأراضي السورية.

لقاءات باريس ووساطة الجولان

وفقاً لمعلومات مسرّبة من مصادر موثوقة، بدأت ملامح تفاهمات غير مسبوقة تتبلور بين جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) وهيئة سياسية تشكلت حديثاً لتمثيل المجتمع العلوي في مناطق وسط وغرب سوريا. وأشارت المصادر إلى أن هذه التحركات لم تعد مجرد قنوات اتصال أولية، بل تُرجمت إلى لقاءات مباشرة عُقدت في العاصمة الفرنسية باريس.

وفي التفاصيل، كشفت المصادر أن أعضاء بارزين من الهيئة السياسية العلوية عقدوا اجتماعات مغلقة مع ضابطين من جهاز “الموساد” يعملان في فرنسا تحت غطاء دبلوماسي. وبحسب ما ورد، فإن هذه اللقاءات ركزت على وضع أسس لتعاون أمني وسياسي مستقبلي، بالتوازي مع جهود ميدانية تبذل على الأرض لإنشاء قنوات تواصل مستمرة وتفاهمات مباشرة بين هذه الهيئة وفريق تابع للموساد يتمركز في هضبة الجولان المحتلة، لضمان مرونة التنسيق اللوجستي والأمني.

استنساخ “التجربة الدرزية” وتكرارها في الساحل

ويرى خبراء أمنيون أن التحرك الإسرائيلي الحالي تجاه المكون العلوي في الساحل السوري ووسط البلاد ليس وليد الصدفة، بل يأتي محاكاةً واستنساخاً لاستراتيجية “تحالف الأقليات” التي طبقتها تل أبيب سابقاً. فقد نجحت إسرائيل على مدى السنوات الماضية في بناء تفاهمات غير معلنة وقنوات اتصال لوجستية وإنسانية مع المكون الدرزي في الجنوب السوري، وتحديداً في محافظتي السويداء والقنيطرة، تحت لافتة “حماية الأقليات وحفظ أمن الحدود” تحولت خلال الهجمات التي شنتها سلطة دمشق المؤقتة العام الفائت على السويداء إلى دعم مباشر عندما تدخل الطيران الحربي والمسيّر الإسرائيلي لقصف قوات سلطة دمشق المهاجمة على المحافظة.

واليوم، تسعى تل أبيب إلى نقل هذه التجربة بحذافيرها من الجنوب إلى الساحل السوري وغرب البلاد؛ حيث تحاول استغلال حالة التوجس المحلية وازدياد الجرائم المرتكبة بحق العلويين من قبل محسوبين على السلطة وتغاضي الأخيرة عن تلك الجرائم، لبناء مظلة حماية وتنسيق أمني متبادل مع الهيئات السياسية العلوية الناشئة، مستندة إلى ذات الأدوات الاستخباراتية التي أثبتت فاعليتها في إدارة العلاقة مع دروز الجولان والجنوب، مما يمنحها موطئ قدم سياسي في مناطق لم تكن تصل إليها سابقاً.

كبح الطموح التركي: الهدف المشترك

وتشير القراءة الأولية لهذه التفاهمات إلى أن دافعها الأساسي هو المخاوف المشتركة من الطموحات التركية في سوريا. إذ يرى الجانب الإسرائيلي في التمدد التركي شمالاً وشرقاً خطراً استراتيجياً قد يغير موازين القوى، في حين تخشى المكونات المحلية في وسط وغرب سوريا من أن يؤدي أي توسع للمشاريع المدعومة من أنقرة إلى تهديد وجودي لبنيتها السياسية والاجتماعية مع استمرار دعم أنقرة لجماعات مسلحة منضوية ضمن وزارة الدفاع السورية وتقف بشكل مباشر خلف المجازر التي ارتكبت في الساحل خلال شهر آذار 2025.

وبناءً على ذلك، تهدف هذه التفاهمات القوية والناشئة بين إسرائيل والقوى السياسية العلوية إلى تقويض التوسع التركي بشكل مباشر، والعمل على إفشال مشاريع أنقرة الإقليمية داخل الجغرافيا السورية من خلال خلق جبهة صد سياسية وأمنية في العمق السوري.

تداعيات مستقبلية على المشهد السوري

ويدخل التدخل الإسرائيلي في سوريا عبر هذه البوابة مرحلة جديدة؛ فبعد سنوات من الضربات الجوية العسكرية والسيطرة على مساحات كبيرة من جبل الشيخ وريف دمشق، تنتقل تل أبيب اليوم إلى الاستثمار السياسي وبناء التحالفات مع المكونات السورية على الأرض.

ويرى مراقبون أن هذه الاختراقات الاستخباراتية وتكرار “التجربة الدرزية” في معاقل الساحل قد تؤدي إلى خلط الأوراق مجدداً في الملف السوري، حيث ستحاول إسرائيل فرض واقع جديد يحمي مصالحها، ويمنع أي تقارب تركي-سوري قد يهدد أمنها، مما يجعل الأيام المقبلة حبلى بالتطورات الميدانية والسياسية بناءً على ما ستؤول إليه لقاءات باريس والجولان.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى