القمح تحت رحمة الفساد.. رشاوى وابتزاز يهددان قوت السوريين في الجزيرة والفرات
طوابير الصوامع تتحول إلى سوق لبيع الأدوار

تتصاعد شكاوى المزارعين في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور بشأن ما يصفونه بانتشار ممارسات الفساد داخل بعض المؤسسات المرتبطة باستلام محصول القمح، في وقت يُعوّل فيه على الموسم الزراعي الحالي لتعزيز الأمن الغذائي وتحسين أوضاع آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
ووفقاً لشهادات وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن رحلة المزارعين مع محصولهم تبدأ بمعاناة طويلة أمام الصوامع ومراكز الاستلام، حيث تتحول الطوابير المزدحمة إلى بيئة خصبة للابتزاز واستغلال الحاجة الملحة لتسويق المحصول قبل تعرضه للتلف أو تكبد خسائر إضافية.
وأكد مزارعون من مناطق مختلفة في الرقة والحسكة وريف دير الزور الشرقي أن بعض العاملين في قطاعي النقل والصوامع يستغلون الازدحام لفرض واقع غير قانوني يتمثل في بيع الأدوار مقابل مبالغ مالية، ما يسمح لشاحنات معينة بتجاوز عشرات المركبات المنتظرة والدخول إلى الصوامع قبل أصحاب الدور الفعلي.
“ادفع أو انتظر”.. معادلة قاسية تستنزف المزارعين
بحسب شهادات حصل عليها المرصد السوري، فإن التأخير في استلام المحصول لا يرتبط دائماً بالضغط الكبير على مراكز التخزين، بل يترافق في كثير من الحالات مع ما يصفه المزارعون بـ”التأخير المتعمد”، بهدف دفعهم إلى تقديم الرشاوى لتسريع الإجراءات.
وتزداد الضغوط المالية على المنتجين مع ارتفاع تكاليف النقل، إذ تصل أجرة انتظار شاحنة من نوع “قاطرة ومقطورة” إلى نحو 200 دولار يومياً، ما يضع أصحاب المحاصيل أمام خيارين صعبين؛ إما تحمل خسائر مالية متراكمة نتيجة التأخير، أو دفع الأموال لتجاوز الطوابير وتسريع تفريغ الحمولة.
فساد يطال تصنيف القمح وجودته
ولا تتوقف الشكاوى عند حدود إجراءات الاستلام، بل تمتد إلى عمليات تقييم وتصنيف القمح، وهي المرحلة التي تحدد قيمة المحصول وسعره النهائي.
وأكد مزارعون أن بعض الخبراء والمهندسين المكلفين بتحديد درجات القمح يطلبون مبالغ مالية مقابل تسجيل الشحنات ضمن الدرجات الأعلى، حتى عندما تكون مستحقة لذلك وفق المعايير الفنية المعتمدة.
في المقابل، تحدثت شهادات أخرى عن منح درجات مرتفعة لشحنات أقل جودة مقابل المال، ما يفتح الباب أمام خلط أنواع القمح المختلفة وإدخال كميات تحتوي على شوائب أو مواصفات أدنى ضمن التصنيفات الممتازة، الأمر الذي يهدد نزاهة عملية التسويق والتخزين.
تحقيقات بحق موظفين وسط تصاعد الشكاوى
وفي مؤشر على اتساع حجم التجاوزات، أفاد نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان بإحالة عدد من الموظفين العاملين في صوامع الرقة والحسكة إلى التحقيق لدى الجهات المعنية على خلفية شبهات تتعلق بالفساد الإداري.
وتعكس هذه الإجراءات حجم التذمر المتزايد لدى المزارعين الذين يطالبون بإنهاء الممارسات التي أثقلت كاهلهم خلال موسم يعد من أهم المواسم الزراعية في شمال وشرق سوريا.
خطر يتجاوز المزارعين إلى موائد المواطنين
يحذر مختصون ومزارعون من أن آثار هذه الممارسات لا تقتصر على الخسائر التي يتكبدها المنتجون، بل تمتد إلى كامل سلسلة إنتاج الغذاء.
فإدخال كميات من القمح منخفض الجودة ضمن الدرجات العليا قد ينعكس سلباً على عمليات الطحن والإنتاج، ويؤثر على جودة الطحين والخبز المقدم للمواطنين، ما يجعل القضية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي وصحة المستهلكين.
مطالب بالشفافية ومحاسبة المتورطين
في ضوء هذه المعطيات، دعا المرصد السوري لحقوق الإنسان الجهات المعنية إلى فتح تحقيقات شفافة وشاملة في الشكاوى الواردة من المزارعين، والإعلان عن نتائج التحقيقات الجارية بحق الموظفين المحالين للمساءلة.
كما طالب بمحاسبة جميع المتورطين في استغلال المزارعين أو التلاعب بإجراءات استلام وتصنيف القمح، ووضع آليات رقابية فعالة تضمن العدالة والشفافية في تسويق المحاصيل، وتحمي المنتجين من الابتزاز والرشاوى، بما يسهم في حماية الأمن الغذائي وصون حقوق المزارعين.
المصدر: المرصد السوري لحقوق الإنسان



