تصـ ـعيد إسرائيلي متواصل جنوب سوريا… مئات التوغـ ـلات وعشرات الضـ ـربات ترسم واقعاً أمـ ـنـ ـياً جديداً

يشهد الجنوب السوري، ولا سيما محافظتا درعا والقنيطرة، تصـ ـعيداً عسـ ـكرياً إسرائيلياً متواصلاً منذ سقـ ـوط النـ ـظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تمثل في مئات عمـ ـليات التـ ـوغل والضـ ـربات الجوية والبرية، بالتزامن مع إنشاء نقاط تمـ ـركز مؤقتة وتشديد الإجـ ـراءات الأمـ ـنـ ـية داخل القرى الحدودية، ما يعكس تحولاً في طبيعة الانتشار الإسرائيلي ويكرّس واقـ ـعاً ميـ ـدانياً جديداً في المنطقة.
وخلال الأيام الأخيرة، تصدرت منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي واجهة التصعيد، بعدما كثفت القوات الإسرائيلية تحركاتها داخل قرى المنطقة، ولا سيما في محيط قرية عابدين، حيث أنشأت نقاط تفتيش مؤقتة، ونفذت عمليات تفتيش للمدنيين، وفرضت قيوداً على حركة السكان بين القرى، قبل أن تتطور الأحداث إلى احتجاجات محلية وإطلاق نار وقصف مدفعي طال القرية، في وقت تسود فيه حالة من القلق والترقب بين الأهالي.
وتشير معطيات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن هذه التحركات لا تمثل أحداثاً منفصلة، بل تأتي ضمن مسار عسكري متصاعد بدأ مباشرة عقب انهيار النظام السابق، إذ وثق المرصد منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 نحو 500 غارة وضربة إسرائيلية جوية وبرية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت تابعة للجيش السوري السابق في مختلف المحافظات، وأسفرت عن تدمير أكثر من 720 هدفاً عسكرياً شملت مستودعات أسلحة وذخائر، ومقرات قيادة، وقواعد عسكرية، ومنظومات دفاع جوي، وآليات ومراكز لوجستية.
وتوزعت تلك الضربات على محافظات دمشق وريفها، ودرعا، والقنيطرة، وحمص، وحماة، واللاذقية، وطرطوس، والسويداء، ودير الزور، والحسكة، وحلب، والرقة، ما يعكس اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية لتشمل معظم الجغرافيا السورية، مع تركيز خاص على المناطق الجنوبية والعاصمة ومحيطها.
وخلال عام 2025 وحده، سجل المرصد 105 استهدافات إسرائيلية للأراضي السورية، بينها 89 غارة جوية و16 عملية برية، أدت إلى تدمير نحو 142 هدفاً عسكرياً، وأسفرت عن مقتل 76 شخصاً، بينهم 38 عنصراً من إدارة العمليات العسكرية ووزارة الدفاع، و24 مدنياً بينهم نساء وأطفال، و9 مدنيين حملوا السلاح، إضافة إلى 5 مجهولي الهوية.
واحتلت دمشق وريفها المرتبة الأولى من حيث عدد الغارات الجوية خلال عام 2025، تلتها محافظات السويداء ودرعا وحمص والقنيطرة، بينما تركزت العمليات البرية بصورة أساسية في ريفي درعا والقنيطرة، إضافة إلى أجزاء من ريف دمشق، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها إسرائيل للجنوب السوري باعتباره منطقة تماس مباشر مع الجولان المحتل.
أما خلال النصف الأول من عام 2026، فقد وثق المرصد 37 عملية استهداف إسرائيلية، بينها ضربتان جويتان و35 عملية برية، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص، بينهم تاجر أسلحة وأربعة مدنيين، اثنان منهم لقيا مصرعهما أثناء إحدى عمليات التوغل في محافظة القنيطرة، بالتوازي مع استمرار القصف المدفعي والتوغلات داخل قرى الجنوب.
وتبرز التوغلات البرية بوصفها السمة الأبرز للتصعيد الإسرائيلي خلال العامين الأخيرين. فقد أحصى المرصد 460 عملية توغل خلال عام 2025، وصل عددها في بعض الأشهر إلى نحو 90 توغلاً، فيما تم تسجيل 380 عملية توغل إضافية منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية حزيران/يونيو، توزعت بين محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق.
وبذلك يرتفع إجمالي التوغلات الإسرائيلية الموثقة منذ سقوط النظام السابق إلى نحو 840 عملية توغل بري خلال أقل من عامين، وهو رقم يعكس تحولاً لافتاً في نمط العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وانتقالها من عمليات خاطفة إلى حضور ميداني أكثر انتظاماً يعتمد على الحركة المستمرة داخل المناطق الحدودية.
ورافقت هذه العمليات إقامة حواجز مؤقتة، وفرض قيود على حركة المدنيين، وإغلاق طرق بين القرى، وتنفيذ عمليات تفتيش واحتجاز مؤقت، فضلاً عن القصف المدفعي الذي استهدف عدة بلدات، ما أدى إلى حالات نزوح محدودة وارتفاع مستوى القلق بين السكان، في حين واجه الأهالي بعض هذه التحركات باحتجاجات محدودة وإغلاق للطرق ورشق الدوريات بالحجارة، بينما نفذت قوات الأمم المتحدة دوريات ميدانية لمتابعة الأوضاع.
وفي موازاة التصعيد العسكري، شهدت الأشهر الماضية عدة جولات من المحادثات بين إسرائيل والحكومة السورية المؤقتة، غير أن هذه اللقاءات لم تنعكس على الواقع الميداني، إذ استمرت عمليات التوغل والضربات العسكرية بوتيرة مرتفعة. وفي أحدث التطورات، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته قتلت عدداً من “المسلحين” داخل ما وصفها بـ”المنطقة الأمنية” جنوب سوريا، من دون أن تصدر السلطات السورية توضيحاً رسمياً بشأن هوية القتلى أو ملابسات العملية.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الجنوب السوري كإحدى أكثر الجبهات توتراً منذ نهاية عام 2024، في ظل تصاعد غير مسبوق في النشاط العسكري الإسرائيلي، وغياب أي مؤشرات فعلية على تهدئة دائمة، الأمر الذي يبقي محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق أمام واقع أمني هش، مرشح لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.



