بين ترميم المقبرة اليهودية واستهـ ـداف المزارات العلوية… ازدواجية تثير التساؤلات في سوريا

في وقت بدأت فيه أعمال ترميم أبرز مقبرة لليهود في العاصمة دمشق ضمن مشروع يهدف إلى الحفاظ على التراث الديني والتاريخي للطائـ ـفة اليهودية، تتواصل في المقابل الاعتـ ـداءات على مقامات ومزارات دينية تعود للطـ ـائفة العلوية في عدد من المحافظات السورية، وسط غياب نتائج التحـ ـقيقات أو إجـ ـراءات راد..عة بحق المسـ ـؤولين عنها، ما يثـ ـير تسـ ـاؤلات حول مدى تكافؤ الحمـ ـاية التي توفرها السلـ ـطات للمواقع الدينية المختلفة.

وأعلنت مؤسسة “موزاييك” المعنية بالحفاظ على التراث السوري بدء أعمال ترميم المقبرة اليهودية الواقعة على طريق مطار دمشق، وتشمل تنظيف الموقع، وترميم القبور المتضررة، وإعادة تأهيل السور الخارجي، وتركيب أنظمة إنارة وكاميرات مراقبة، في خطوة اعتُبرت جزءاً من جهود إعادة إحياء التراث اليهودي في سوريا بعد عقود من التراجع.

وفي المقابل، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الفترة الماضية، سلسلة متواصلة من الاعتداءات التي طالت مقامات ومزارات دينية علوية خلال الأشهر الماضية، كان أحدثها إضرام النار في مقام الشيخ ناصر الحكيم في قرية العريضة بريف حمص الغربي، وهو مقام يحظى بمكانة دينية لدى أبناء الطائفة العلوية. وأسفر الحريق عن أضرار مادية بالمقام، فيما لم تُعرف هوية المنفذين أو دوافعهم حتى الآن، ولم تعلن أي جهة رسمية نتائج تحقيق بشأن الحادثة.

ولا تُعد هذه الواقعة حادثة معزولة، إذ سبقها استهداف عدد من المزارات الدينية العلوية في محافظات مختلفة، شملت عمليات تخريب وإحراق واعتداء على محتوياتها، في تأكيد على أن هذه الاعتداءات تحمل أبعاداً طائفية من شأنها تهديد السلم الأهلي وإثارة الاحتقان بين مكونات المجتمع السوري.

ويرى مراقبون أن حماية المواقع الدينية لا ينبغي أن تخضع لأي اعتبارات سياسية أو دينية، بل يجب أن تكون مسؤولية متساوية تجاه جميع المكونات، انسجاماً مع مبادئ المواطنة وسيادة القانون، خصوصاً في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى تجاوز إرث الحرب والانقسامات.

وتكتسب هذه القضية حساسية إضافية مع بدء مشاريع رسمية أو مدعومة لترميم مواقع دينية تعود لأقليات تاريخية، في وقت لا تزال فيه مواقع دينية أخرى تتعرض للاعتداء أو الإهمال دون إعلان إجراءات واضحة لحمايتها أو إعادة تأهيلها، وهو ما يفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بازدواجية التعامل مع الإرث الديني والثقافي في البلاد.

ويؤكد مراقبون أن حماية دور العبادة والمقامات والمزارات الدينية، أياً كانت الجهة أو الطائفة التي تنتمي إليها، تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق السلطات، وأن أي اعتداء عليها يستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً يفضي إلى محاسبة المسؤولين، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب ويعزز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.

وحذر المراقبون من أن استمرار استهداف المزارات الدينية دون مساءلة، بالتوازي مع الاهتمام بترميم مواقع دينية أخرى، قد يرسخ شعوراً بالتمييز لدى بعض المكونات، ويؤثر سلباً في جهود المصالحة الوطنية، مؤكدين أن حماية التراث الديني السوري يجب أن تشمل جميع المواقع دون استثناء، باعتبارها جزءاً من الهوية التاريخية والثقافية لسوريا، وأن صونها يشكل ركيزة أساسية للحفاظ على التنوع الديني وتعزيز السلم الأهلي.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى