مجلس شعب يكتمل… لكن هل وُلدت سلطة تشريعية مستقلة أم أُعيد إنتاج الهيـ ـمنة التنفيذية؟

مع إعلان رئيس سلـ ـطة دمشق المؤقتة أحمد الشرع استكمال تعيين الثلث الأخير من أعضاء مجلس الشعب، تدخل المرحلة الانتقالية في سوريا مرحلة جديدة من الناحية الشكلية، بإكمال مؤسسات الدولة الدستورية. غير أن هذه الخطوة، التي وصفتها السلطات بأنها تعزز التمثيل الوطني، فتحت في المقابل باباً واسعاً من الانتقادات بشأن طبيعة تشكيل المجلس، ومدى استقلاليته، وحدود تمثيله الحقيقي لمختلف القوى السياسية والمجتمعية السورية.

فبينما ركز الخطاب الرسمي على تنوع الأعضاء، ووجود معتـ ـقـ ـلين سابقين ونساء وأكاديميين، يرى منتقدون أن القضية الأساسية لا تكمن في هوية الأفراد فقط، بل في آلية تشكيل المجلس نفسها، التي تمنح السلطة التنفيذية نفوذاً واسعاً على المؤسسة المفترض أن تمارس الرقابة عليها.

مجلس يُستكمل بالتعيين لا بالانتخاب

ويتألف مجلس الشعب الجديد من 210 أعضاء، جرى اختيار 140 عضواً عبر هيئات ناخبة غير مباشرة ولم يكن للشعب أي دور في اختيارهم، فيما عيّن رئيس السلطة المؤقتة 70 عضواً بصورة مباشرة، أي ما يعادل ثلث المجلس.

ورغم تأكيد السلطات أن هذه الصيغة تهدف إلى تمثيل الكفاءات والمكونات التي قد لا تصل عبر الانتخابات، فإن منح رئيس السلطة المؤقتة حق تعيين ثلث البرلمان يثير تساؤلات حول مدى قدرة المجلس على ممارسة دوره الرقابي بصورة مستقلة، خصوصاً أن السلطة التنفيذية أصبحت تمتلك تأثيراً مباشراً على تركيبة المؤسسة التشريعية.

ويذهب مراقبون إلى أن البرلمان، في أي نظام ديمقراطي، يفترض أن يكون ممثلاً للإرادة الشعبية، بينما يؤدي الجمع بين الانتخاب غير المباشر والتعيين الرئاسي إلى تقليص مساحة المنافسة السياسية الحقيقية.

أرقام تعكس صورة المجلس الجديد

وضم الثلث الذي عيّنه رئيس السلطة المؤقتة:

70 عضواً (55 رجلاً و15 امرأة)، بينهم 13 معتقلاً سابقاً و5 من ذوي الاحتياجات الخاصة و23 من الأعيان و47 من أصحاب الكفاءات و17 يحملون شهادة الدكتوراه و12 يحملون الماجستير و18 يحملون إجازة جامعية و17 يحملون الثانوية و4 يحملون شهادات معاهد و2 يحملان الدبلوم.

ورغم زيادة عدد النساء من 7 عضوات في المجلس المنتخب إلى 21 عضوة بعد التعيينات، فإن نسبة تمثيل المرأة لم تتجاوز 10 بالمئة تقريباً من إجمالي أعضاء المجلس، وهي نسبة اعتبرتها ناشطات سوريات أقل بكثير من حجم مشاركة النساء خلال سنوات الثورة والحرب، وأدنى من المعايير التي تطالب بها منظمات المجتمع المدني.

المعتقلون السابقون… رمزية سياسية أكثر من تحول مؤسسي؟

وسلطت السلطات الضوء على وجود 13 معتقلاً سابقاً ضمن الأعضاء الجدد باعتبارها رسالة وفاء لضحايا النظام السابق.

ولا شك أن وجود ناجين من المعتقلات يحمل بعداً رمزياً مهماً، إلا أن منتقدين يرون أن تمثيل الضحايا لا يكفي وحده لإضفاء الشرعية على المجلس، إذا لم يقترن بآليات انتخابية شفافة، وضمانات حقيقية لاستقلال السلطة التشريعية، وقدرتها على مساءلة الحكومة.

فوجود معتقلين سابقين داخل البرلمان لا يعني بالضرورة امتلاك المجلس صلاحيات فعلية لإقرار قوانين العدالة الانتقالية أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

مكونات ما زالت خارج المعادلة

وورغم استكمال تشكيل البرلمان، لا يزال تمثيل بعض المناطق والقوى محل جدل. فمحافظة السويداء لم تجر فيها انتخابات حتى الآن، واكتفى رئيس السلطة المؤقتة بتعيين عضوين عنها. أما مناطق شمال وشرق سوريا، فقد شاركت بعد الاتفاق بين دمشق والإدارة الذاتية، إلا أن عدداً من الأحزاب والقوى الكوردية رفض نتائج اختيار ممثليها، معتبرة أنهم لا يمثلون الإرادة السياسية للكورد، بل يمثلون أنفسهم فقط.

ويرى مراقبون أن أي مجلس تشريعي يفترض أن يعكس التعدد السياسي الحقيقي في البلاد، وليس مجرد التنوع الجغرافي أو الاجتماعي.

احتواء سياسي أم شراكة وطنية؟

وتشير قراءات سياسية إلى أن قائمة التعيينات لم تركز فقط على الكفاءات، بل سعت أيضاً إلى احتواء شخصيات معارضة سابقة، ووجهاء عشائر، وشخصيات مستقلة، بهدف توسيع قاعدة التأييد السياسي للسلطة الجديدة.

ولكن منتقدين يعتبرون أن الاحتواء السياسي لا يغني عن بناء عملية سياسية قائمة على المنافسة والانتخاب الحر، وأن توسيع دائرة المشاركين في السلطة يختلف عن توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار.

التحدي الحقيقي يبدأ بعد الجلسة الأولى

ومن المقرر أن يعقد المجلس أولى جلساته في السادس من تموز، لكن نجاحه لن يقاس بعدد أعضائه أو تنوعهم، بل بقدرته على أداء وظائفه الأساسية، وفي مقدمتها مراقبة أداء الحكومة. ومساءلة الوزراء. وإقرار قوانين المرحلة الانتقالية. ومناقشة ملفات العدالة الانتقالية. وإصدار تشريعات تعزز استقلال القضاء. والإشراف على الإصلاح السياسي والدستوري.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك المجلس الأدوات الدستورية والسياسية التي تمكنه من ممارسة هذه الأدوار بحرية، أم أنه سيكون امتداداً للسلطة التنفيذية أكثر من كونه سلطة رقابية مستقلة؟

بين اكتمال المؤسسات واكتمال الشرعية

ويمثل استكمال مجلس الشعب خطوة مهمة في استكمال البناء المؤسسي للدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن الشرعية السياسية لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات، بل أيضاً بطريقة تشكيلها، ومستوى تمثيلها، وقدرتها على العمل باستقلالية.

وفي ظل استمرار الجدل حول آليات الاختيار، وضعف المشاركة الشعبية المباشرة، واستبعاد أو تحفظ بعض القوى السياسية، يبقى البرلمان الجديد أمام اختبار صعب: إثبات أنه مؤسسة تشريعية حقيقية تمثل السوريين، لا مجرد إطار دستوري يضفي المشروعية على قرارات السلطة التنفيذية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى