جـ ـدل “تـ ـجـ ـريم الأسدية”.. بين مطلب العدالة ومخـ ـاوف الإقـ ـصاء في سوريا الجديدة

أعاد وسم “تجـ ـريـ ـم الأسدية مطلبنا” فتح واحدة من أكثر القـ ـضايا حساسية في سوريا ما بعد سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد، مع تصـ ـاعد المطالب الشعبية بإقرار تشريعات تجـ ـرّم تمجـ ـيد النـ ـظام السابق ورمـ ـوزه، مقابل تحـ ـذيـ ـرات من أن يتحول هذا المسار إلى أداة لإعادة إنتاج الإقـ ـصاء والانقـ ـسـ ـام، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحـ ـديـ ـات أمـ ـنـ ـية وسياسية معقدة، وتنتظر استكمال مسار العدالة الانتقالية.
وشهدت دمشق خلال الأيام الماضية وقفات احتجاجية أمام قصر العدل، طالب خلالها ناشطون وحقوقيون وذوو ضحايا بتفعيل المادة (49) من الإعلان الدستوري، وسن قوانين تجرّم “الأسدية” باعتبارها منظومة حكم مسؤولة عن عقود من القمع والانتهاكات.
ويستند أصحاب الحملة إلى أن “الأسدية” ليست مجرد مرحلة سياسية انتهت بسقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، وإنما منظومة حكم قامت على احتكار السلطة، وتوظيف الأجهزة الأمنية، والقمع الممنهج، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، واستخدام العنف ضد المعارضين، الأمر الذي يجعل -بحسب رأيهم- تجريم تمجيدها جزءاً أساسياً من العدالة الانتقالية ومنع تكرار الانتهاكات.
ويستشهد مؤيدو الحملة بتجارب دولية، أبرزها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جرى حظر الدعاية للنازية وتجريم رموزها، معتبرين أن أي انتقال سياسي حقيقي لا يكتمل دون تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي أنتجت الاستبداد.
في المقابل، يثير هذا الطرح مخاوف لدى أطراف سياسية وحقوقية ترى أن صياغة قانون فضفاض قد تفتح الباب أمام استخدامه بصورة انتقائية ضد الخصوم السياسيين، أو توسيع دائرة الاتهام لتشمل أشخاصاً لم يرتكبوا جرائم، وإنما كانوا موظفين أو منتمين شكلياً إلى مؤسسات الدولة السابقة.
ويرى منتقدون أن العدالة يجب أن تقوم على محاسبة الأفراد وفق مسؤولياتهم الجنائية، لا على أساس الانتماءات أو المواقف السياسية، محذرين من أن تحويل الصراع السياسي إلى صراع هويات قد يقوض فرص المصالحة الوطنية التي تحتاجها سوريا بعد سنوات الحرب.
كما يشير مراقبون إلى أن الأولوية يجب أن تكون لبناء مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على محاسبة مرتكبي الانتهاكات وفق معايير قانونية عادلة، بدلاً من إصدار قوانين قد تثير جدلاً واسعاً حول حدود حرية التعبير والفصل بين الرأي السياسي وتمجيد الجرائم.
ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع استمرار العمل على استكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية، في وقت لم تُستكمل فيه بعد منظومة العدالة الانتقالية أو آليات كشف الحقيقة وجبر الضرر، وهو ما يجعل الجدل حول “تجريم الأسدية” يتجاوز الجانب القانوني إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة إرث أكثر من خمسة عقود من الحكم السابق.
ويؤكد مراقبون أن نجاح أي تشريع في هذا الإطار سيظل مرهوناً بقدرته على تحقيق التوازن بين حق الضحايا في العدالة ومنع الإفلات من العقاب، وبين حماية الحريات العامة ومنع استخدام القانون كوسيلة للإقصاء السياسي، بما يضمن عدم استبدال منظومة استبدادية بأخرى، ويؤسس لمرحلة انتقالية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية.



