من قوائم الشيباني إلى شواطئ المتوسط.. هكذا تُحضّر أنقرة لمعركة السيطرة على الساحل السوري.

في الوقت الذي تنشغل فيه الأوساط السياسية بمتابعة التطورات اليومية في سوريا، تكشف معلومات خاصة عن تحركات تجري بعيداً عن الأضواء، قد تكون مقدمة لمرحلة جديدة من الصراع على النفوذ في البلاد، عنوانها هذه المرة: حلب والساحل السوري.

وبحسب المعلومات، أعد وزير الخارجية في الحكومة السورية المؤقتة أسعد الشيباني بناءّ على طلب مباشر من الاستخبارات التركية قائمة تضم أسماء شخصيات من المكون العلوي مطلوبين للعدالة. إلا أن مصادر متابعة ترى أن المسألة تتجاوز إطار الملاحقات القضائية، لتندرج ضمن مسار سياسي وأمني يهدف إلى خلق حالة من الاستفزاز والاحتقان داخل البيئة العلوية، ودفع الأمور نحو ردود فعل يمكن استثمارها لاحقاً في مشاريع أكبر يجري التحضير لها على مستوى المنطقة.

وتشير المصادر إلى أن الهدف الفعلي لا يكمن في محاسبة أفراد أو ملاحقة ما تسميه السلطة بالمطلوبين، بل في خلق بيئة متوترة وقابلة للانفجار، تمهيداً لتسويق مشهد جديد يقوم على أن البلاد تتجه نحو الفوضى، وأن التدخل الخارجي بات ضرورة لا خياراً.

صناعة الذريعة… الطريق إلى الساحل

وفق هذه المعطيات، لا يُنظر إلى التصعيد ضد شخصيات من المكون العلوي باعتباره حدثاً منفصلاً، بل كجزء من خطة أوسع تهدف إلى دفع الساحل السوري نحو حالة من التوتر الأمني والسياسي، بما يسمح لاحقاً بتقديم تركيا نفسها كطرف قادر على “ضبط الأوضاع” و”منع الانهيار” و”حماية الاستقرار”.

وبذلك تتحول الفوضى نفسها إلى أداة سياسية، ويصبح التوتر المطلوب إنتاجه مدخلاً لتبرير نفوذ جديد يمتد من الشمال السوري إلى عمق الساحل، المنطقة التي بقيت حتى اليوم خارج السيطرة التركية المباشرة.

غير أن هذه الخطة، بحسب مصادر مطلعة، تواجه عقبة متزايدة تتمثل في تحركات إقليمية مضادة تسعى إلى منع أنقرة من فرض وقائع جديدة على الأرض.

تفاهمات سرية مع الموساد… والساحل يدخل لعبة المحاور

في المقابل، تشهد مناطق وسط وغرب سوريا تحركات سياسية وأمنية غير مسبوقة تقودها إسرائيل، في محاولة لبناء شبكة تحالفات محلية قادرة على مواجهة التمدد التركي المتسارع.

ووفق معلومات مسربة من مصادر وُصفت بالموثوقة، بدأت تتبلور تفاهمات مباشرة بين جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” وهيئة سياسية تشكلت حديثاً لتمثيل المجتمع العلوي في مناطق وسط وغرب سوريا.

المصادر أكدت أن هذه الاتصالات تجاوزت مرحلة الرسائل غير المباشرة، ووصلت إلى اجتماعات مغلقة عُقدت في العاصمة الفرنسية باريس، جمعت شخصيات بارزة من الهيئة السياسية العلوية مع ضابطين من جهاز الموساد يعملان تحت غطاء دبلوماسي.

وبحسب المعلومات، ناقشت اللقاءات وضع أسس لتعاون سياسي وأمني مستقبلي، بالتوازي مع إنشاء قنوات تواصل مباشرة مع فريق تابع للموساد يتمركز في الجولان المحتل، بهدف تأمين التنسيق الأمني واللوجستي بين الجانبين.

استنساخ التجربة الدرزية… من الجنوب إلى الساحل

وترى أوساط أمنية أن ما يجري ليس سوى محاولة إسرائيلية لاستنساخ النموذج الذي اعتمدته في الجنوب السوري خلال السنوات الماضية.

فكما نجحت تل أبيب في بناء قنوات اتصال وتفاهمات مع المكون الدرزي في السويداء والقنيطرة تحت شعار “حماية الأقليات”، تسعى اليوم إلى نقل التجربة نفسها إلى الساحل السوري.

وتشير المصادر إلى أن إسرائيل تستفيد من حالة الخوف المتصاعدة لدى أبناء الطائفة العلوية نتيجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها عناصر محسوبون على السلطة خلال الفترة الماضية، إضافة إلى المجازر التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025، والتي تركت آثاراً عميقة داخل المجتمع المحلي.

ومن خلال هذا الواقع، تعمل تل أبيب على بناء شبكة علاقات وتحالفات سياسية وأمنية تمنحها نفوذاً مباشراً في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا.

لماذا يتحرك الجميع نحو الساحل؟

لأن الساحل لم يعد مجرد منطقة جغرافية. إنه اليوم العقدة الاستراتيجية الأهم في سوريا، والبوابة التي يمكن أن تحدد شكل النفوذ الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

تركيا تدرك أن السيطرة على حلب وحدها لا تكفي لترسيخ مشروعها طويل الأمد داخل سوريا، وأن الوصول إلى الساحل يعني امتلاك ورقة ضغط سياسية واقتصادية وعسكرية هائلة.

وفي المقابل، ترى إسرائيل أن تمدد النفوذ التركي بات يشكل خطراً مباشراً على مصالحها الاستراتيجية، وأن منع أنقرة من الوصول إلى غرب سوريا أصبح أولوية لا تقل أهمية عن مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية.

“الخطر الإسرائيلي” كذريعة للتدخل

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الحديث المتزايد عن تفاهمات بين شخصيات علوية وإسرائيل قد يتحول في المستقبل القريب إلى الذريعة المثالية التي تبحث عنها أنقرة.

ففي اللحظة التي يتم فيها تسويق الساحل باعتباره منطقة تشهد اختراقاً إسرائيلياً متنامياً، أو أن المكون العلوي بدأ بإقامة علاقات مباشرة مع الموساد، ستصبح أي عملية تركية محتملة قابلة للتبرير أمام الرأي العام المحلي والإقليمي تحت عناوين “حماية الأمن القومي” و”منع قيام منطقة نفوذ إسرائيلية جديدة” و”الحفاظ على وحدة سوريا”.

وبذلك تكتمل عناصر المشهد: تصعيد داخلي، توتر طائفي، اتهامات بالتواصل مع إسرائيل، ثم تدخل يُقدَّم بوصفه ضرورة أمنية.

سوريا على أبواب مواجهة النفوذ

المؤشرات المتراكمة توحي بأن الصراع في سوريا لم يعد صراعاً داخلياً فحسب، بل تحول إلى سباق مفتوح بين مشاريع إقليمية متنافسة.

تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها من الشمال نحو حلب والساحل، وإسرائيل تعمل على بناء تحالفات محلية لقطع الطريق على هذا المشروع، فيما تجد المكونات السورية نفسها وسط معركة تتجاوز حدودها وإرادتها.

وبين قوائم المطلوبين، ولقاءات باريس، وقنوات التواصل المفتوحة عبر الجولان، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد يكون عنوانها الحقيقي: معركة السيطرة على الساحل السوري، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية وتُرسم خرائط النفوذ القادمة.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى