مقترح أميركي لإشراك سوريا في مواجـ ـهة حـ ـز..ب الله… مغـ ـامرة تهـ ـدد بإشـ ـعال المنطقة من جديد

في وقت تتزايد فيه الضـ ـغوط الدولية لمعالجة ملف سـ ـلاح حـ ـز…ب الله، برزت خلال الأيام الماضية مقترحات داخل دوائر مرتبطة بالسياسة الأميركية تدعو إلى إشراك الجيش السوري في أي ترتيبات أمـ ـنـ ـية أو عسـ ـكرية تستهـ ـدف الحزب داخل لبنان، باعتبار أن دمشق الجديدة قد تكون شريكاً إقليمياً أقل كلفة من التدخـ ـل الإسرائيلي المباشر.

غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من حسابات استراتيجية بالنسبة لبعض الأوساط الأميركية، يواجه انتقادات واسعة، إذ يرى مراقبون أنه يتجاهل الواقع السياسي والعسكري في سوريا ولبنان، ويعيد فتح ملفات تاريخية لم تلـ ـتئم جـ ـراحـ ـها بعد، بما قد يحول أي مواجـ ـهة محدودة إلى أزمة إقليمية جديدة.

ذاكرة الوصاية السورية لا تزال حاضرة

يصطدم أي حديث عن عودة دور عسكري سوري في لبنان بذاكرة امتدت قرابة ثلاثة عقود، منذ دخول القوات السورية عام 1976 وحتى انسحابها في عام 2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

ولا تزال شرائح واسعة من اللبنانيين تنظر إلى تلك المرحلة باعتبارها حقبة هيمنة سياسية وأمنية، وهو ما يجعل أي وجود عسكري سوري جديد، حتى لو كان تحت عناوين مختلفة، موضع رفض واسع لدى قوى سياسية تعتبره مساساً بالسيادة اللبنانية.

ويرى محللون أن هذه الحساسية التاريخية تجعل من الصعب قبول أي دور ميداني للجيش السوري، حتى من قبل أطراف تعارض حزب الله وتطالب بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

حزب الله والجيش السوري الجديد… إرث دموي

ويزداد المشهد تعقيداً بالنظر إلى العلاقة التي ربطت حزب الله بالحرب السورية خلال السنوات الماضية. فالحزب كان أحد أبرز الداعمين العسكريين للنظام السابق، وشارك في معارك واسعة ضد فصائل المعارضة السورية، الأمر الذي خلف عداءً عميقاً بينه وبين آلاف المقاتلين السوريين، بعضهم بات اليوم جزءاً من المؤسسات العسكرية والأمنية الجديدة أو قريباً منها.

ويحذر مراقبون من أن أي مواجهة مباشرة بين الطرفين لن تكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل قد تحمل أبعاداً انتقامية وطائفية يصعب احتواؤها، بما يعيد إنتاج الانقسامات التي شهدتها المنطقة خلال سنوات الحرب السورية.

سوريا ليست في موقع يسمح بحرب جديدة

ورغم التحولات السياسية التي شهدتها دمشق بعد سقوط النظام السابق، لا تزال سوريا تواجه تحديات داخلية كبيرة. فالسلطات الانتقالية تعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة، ودمج التشكيلات العسكرية المختلفة، وإعادة بسط السيطرة على كامل الأراضي السورية، إضافة إلى مواجهة تحديات اقتصادية وأمنية معقدة.

كما لا تزال مناطق عدة تشهد تهديدات أمنية متفرقة، فضلاً عن استمرار نشاط خلايا تنظيم “داعش” في بعض المناطق، الأمر الذي يجعل فتح جبهة خارجية جديدة مغامرة قد تستنزف قدرات الدولة وتؤثر في أولويات إعادة الاستقرار.

مخاطر على الداخل اللبناني

ويرى خبراء أن إدخال الجيش السوري في ملف حزب الله لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل قد يضيف لاعباً جديداً إلى ساحة لبنانية تعاني أصلاً من تعدد مراكز القوة والسلاح. فالواقع اللبناني القائم على توازنات سياسية وطائفية دقيقة يجعل أي تدخل عسكري خارجي عاملاً مرشحاً لزيادة الانقسام الداخلي، وليس لتقليصه.

كما أن أي صدام مباشر قد يدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط في المواجهة، بما يوسع دائرة الصراع خارج الحدود اللبنانية.

تناقض مع مبدأ السيادة

ويثير المقترح أيضاً تساؤلات بشأن انسجامه مع الخطاب الأميركي الداعي إلى دعم سيادة لبنان. ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن ضرورة حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية، فإن الدفع نحو إشراك قوة عسكرية خارجية في معالجة ملف داخلي بالغ الحساسية قد يُنظر إليه على أنه تناقض مع هذا المبدأ.

ويرى منتقدون أن أي معالجة مستدامة لسلاح حزب الله يجب أن تنطلق من المؤسسات اللبنانية نفسها، وبالتوازي مع مسار سياسي وأمني يحظى بغطاء داخلي وإقليمي، لا عبر استبدال نفوذ إقليمي بآخر.

تداعيات إقليمية محتملة

ولا تقتصر المخاطر على سوريا ولبنان فقط، بل قد تمتد إلى مجمل الإقليم. فاندلاع مواجهة بين الجيش السوري وحزب الله قد يفتح الباب أمام تدخلات إسرائيلية أو إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، ويعيد إشعال جبهات كانت قد شهدت تراجعاً نسبياً في التصعيد خلال الأشهر الماضية.

كما أن أي فراغ أمني قد ينشأ داخل سوريا نتيجة انشغال قواتها في عمليات خارج الحدود قد تستفيد منه التنظيمات المتشددة لإعادة ترتيب صفوفها.

بين الحسابات السياسية والواقع الميداني

ويبدو أن المقترح الأميركي يعكس رغبة في البحث عن أدوات جديدة للتعامل مع ملف حزب الله، وتقليل الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن نجاح أي خطة من هذا النوع يبقى مرهوناً بقدرتها على مراعاة تعقيدات الواقع اللبناني والسوري.

وفي ظل الإرث الثقيل للعلاقات السورية اللبنانية، والانقسامات الداخلية في البلدين، والهشاشة الأمنية التي ما زالت تفرض نفسها، يرى مراقبون أن إشراك الجيش السوري في مواجهة حزب الله قد يتحول من وسيلة لاحتواء الأزمة إلى عامل إضافي لتوسيعها، بما يهدد بإعادة إنتاج صراعات إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى