عسـ ـكرة شرق المتوسط: صـ ـراع الغاز وتحالفات الضرورة تنـ ـذر بمـ ـواجـ ـهة إقليمية مؤجلة

تشهد منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط واحدة من أعقد جولات التوتـ ـر الجيوسياسي والعسـ ـكري في التاريخ الحديث، حيث تحولت التقديرات التحليلية إلى واقع ميداني محتشد بالقطع البحرية والطائرات المقـ ـاتلة. ولم يعد النـ ـزاع مقتصراً على خـ ـلافات حدودية تقليدية بين القوى الإقليمية، بل تحول إلى سباق محموم للاستحواذ على مكامن الغاز الطبيعي السائل، وإعادة رسم خارطة النـ ـفوذ البحري بما يخدم مصالح القوى الدولية الكبرى وسط تشابك معقد في التحالفات والاتفاقيات السرية.
حشود متبادلة ومحاور عسكرية متقابلة في الممرات الحيوية
وتترجم القوى الدولية والإقليمية طموحاتها الاقتصادية عبر تحشيد عسكري غير مسبوق في الممرات المائية الحيوية، حيث بادرت اليونان بنشر قطع بحرية وسفن حربية متنوعة في بحر إيجة، مدعومة بمنظومات تسليحية روسية متطورة بهدف فرض واقع رادع يحمي جرفها القاري.
وفي المقابل، عززت بريطانيا حضورها في الطرف الغربي للمتوسط بتمركز حاملة طائرات استراتيجية برفقة مجموعتها القتالية عند مضيق جبل طارق، في خطوة تهدف إلى تأمين خطوط الملاحة الدولية ومراقبة ديناميكيات القوى المتصاعدة في الحوض الأسود والمتوسط.
وفي عمق هذا التحشيد، يبرز الحضور الروسي البراغماتي كعنصر توازن وضغط؛ إذ تنطلق السفن الحربية الروسية من المياه القريبة من السواحل الجزائرية لتنفيذ مناورات تكتيكية واستفزازية بالقرب من الأسطول البريطاني. وتتكامل هذه التحركات البحرية مع دعم عسكري بري وجوي قدمته موسكو للجزائر عبر تزويدها بطائرات حربية حديثة لتأمين القواعد العسكرية المشتركة هناك، مما يمنح روسيا ذراعاً طولى في شمال أفريقيا تتيح لها المناورة في ملف الطاقة الإقليمي.
معادلة الغاز المعقدة والموقف الإسرائيلي الشرس
ويمثل غاز شرق المتوسط فتيل الأزمة الحقيقي ومحور الاستقطاب الراهن، حيث تسعى القوى المتنافسة جاهدة لحسم ملف الاستخراج والاستحواذ لصالحها. وفي هذا السياق، تبنت إسرائيل الموقف الأكثر صرامة بإعلانها الاستعداد الكامل لخوض مواجهة عسكرية مباشرة لحسم المسألة إذا اقتضت الضرورة، حيث ترتبط حساباتها الحيوية بضرورة استغلال حقولها البحرية وتأمين الربط التقني مع حقل “صيدا” اللبناني.
المفارقة هنا تكمن في الموقف الروسي الذي لا يمانع الطموح الإسرائيلي في التوسع النفطي، لكنه يضع شرطاً جيوسياسياً صارماً يقضي بعدم تصدير هذا الغاز إلى الأسواق الأوروبية، وذلك لضمان بقاء القارة العجوز تحت رحمة إمدادات الطاقة الروسية ولعدم الإضرار بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لموسكو التي تستخدم الغاز كورقة ضغط سياسي دولية.
وعلى الرغم من حدة الخطاب السياسي، تكشف المؤشرات الميدانية أن تركيا تعيش مأزقاً استراتيجياً يجعلها غير مستعدة لخوض أي مواجهة عسكرية مباشرة في الوقت الحالي، لعلمها بأن الانزلاق إلى حرب مفتوحة سيكبدها خسائر سياسية وعسكرية فادحة تزعزع نفوذها في الشرق الأوسط. وبناءً على هذه الحسابات، تركز أنقرة جهودها الحالية على ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على العواصم الأوروبية وقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لدفع الأطراف الأخرى نحو القبول بحلول وسطى وتنازلات متبادلة، معتبرة التحركات اليونانية المدعومة بالسلاح الروسي استفزازاً مباشراً لأمنها القومي.
وتتجلى هذه البراغماتية التركية بشكل أوضح في طبيعة علاقاتها مع القوى الإقليمية، وتحديداً مصر؛ فبينما لم يكتمل الاتفاق الشامل بشأن الغاز المصري نتيجة إبرام القاهرة لاتفاقية سرية مع أنقرة مدفوعة برغبة مصرية في الحصول على حماية سياسية وعسكرية تركيّة ضد التهديدات الخارجية، فإن التحليلات الاستراتيجية تؤكد أن أمن تركيا ومصالحها القومية هما الأولوية المطلقة لدقة الحسابات التركية. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن أنقرة لن تتردد في التخلي عن التزاماتها تجاه مصر إذا تطلبت مصالحها ذلك، بل قد يصل الأمر إلى الضغط على القاهرة أو التماهي مع قوى أخرى عبر الجبهة الليبية لتجنب أي صدام عسكري مباشر مع القوى الكبرى.
سيناريوهات مفتوحة فوق صفيح ساخن
وتُجمع المؤشرات الميدانية على أن كثافة التحركات العسكرية للقوى الدولية في البحر الأبيض المتوسط تجاوزت حدود استعراض القوة التقليدي، وباتت تشكل نذيراً حقيقياً لاحتمالية نشوب نزاع مسلح واسع النطاق في المستقبل. وإذا كانت الدبلوماسية والضغوط التركية عبر الناتو تنجح حتى الآن في ضبط إيقاع التوتر، فإن تضارب المصالح الجوهري بين المحور اليوناني المدعوم روسياً والمحور البريطاني، إلى جانب الإصرار الإسرائيلي والتقلبات البراغماتية في المواقف الإقليمية، يجعل من شرق المتوسط ساحة مرشحة للانفجار عند أي خطأ في الحسابات التكتيكية بين الأطراف المتنازعة.



