تأجيل البرلمان السوري.. اختبار مبكر للمرحلة الانتقالية

شكّل قرار تأجيل الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب السوري، التي كانت مقررة يوم الاثنين، أول اختبار حقيقي لمسار المرحلة الانتقالية في سوريا، وأثـ ـار تساؤلات سياسية ودستورية حول أسباب الإرجاء، في وقت كانت الأنظار تتجه إلى البرلمان بوصفه إحدى أهم مؤسسات الدولة الجديدة بعد سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
ورغم وصول الأعضاء المُعيّنين إلى دمشق واستكمال التحضيرات لانعقاد الجلسة الأولى، اكتفت اللجنة العليا للانتخابات بإعلان التأجيل إلى موعد يُحدد لاحقاً، من دون تقديم توضيحات رسمية، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات تربط القرار بالتطورات الأمـ ـنـ ـية الأخيرة أو بترتيبات سياسية ودستورية لم تُستكمل بعد.
أكثر من جلسة افتتاحية
ولا يقتصر تأجيل الجلسة الأولى على تأخير إجراء بروتوكولي، بل يمس بداية عمل المؤسسة التي أوكل إليها الإعلان الدستوري لعام 2025 قيادة المسار التشريعي خلال المرحلة الانتقالية الممتدة ثلاثين شهراً.
وكان من المقرر أن يؤدي أعضاء المجلس القسم الدستوري، ثم ينتخبوا رئيس المجلس ونائبيه وأميني السر، ولكن هذا المجلس غير قادر على ممارسة صلاحيات واسعة ومراقبة أداء الحكومة كونه جرى تعيين أعضاءه من قبل الحكومة ذاتها ومن قبل رئيس السلطة المؤقتة. ولكن رغم ذلك فأن أي تأخير في انعقاد البرلمان ينعكس تلقائياً على الجدول الزمني لعدد من الاستحقاقات السياسية والتشريعية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.
الأمن يفرض حضوره
وجاء قرار التأجيل في ظل تصاعد التوتر الأمني، إذ شهدت دمشق، بعد ساعات من الإعلان عن اكتمال تشكيل البرلمان بعد أن كشف رئيس السلطة المؤقتة أحمد الشرع حصته من أعضاء البرلمان والبالغ عددهم 70 عضواً من أصل 210 أعضاء في مجلس الشعب، انفجاراً استهدف مقهى قرب القصر العدلي يرتاده محامون، بالتزامن مع هجمات استهدفت قوى الأمن في مناطق أخرى.
تحديات دستورية مؤجلة
ويمثل البرلمان الجديد مؤسسة تأسيسية أكثر منه سلطة تشريعية تقليدية، إذ سيكون مسؤولاً عن مراجعة القوانين النافذة، وسن تشريعات جديدة تتلاءم مع المرحلة الانتقالية، إضافة إلى تشكيل لجنة إعداد مشروع الدستور الدائم، الذي سيحدد شكل النظام السياسي والعلاقة بين السلطات وضمانات الحقوق والحريات وآليات تداول السلطة.
كما ينتظر المجلس إعداد نظامه الداخلي خلال الشهر الأول من انعقاده، بما ينظم عمل اللجان وآليات مناقشة القوانين والرقابة على الحكومة، وهي خطوات أساسية لإطلاق العمل البرلماني بصورة منتظمة.
ويعني استمرار التأجيل تأخير الانطلاق العملي لهذه الملفات، وهو ما قد يؤثر في الجدول الزمني المعلن للمرحلة الانتقالية.
جدل حول التمثيل والشرعية
ويتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء جرى اختيارهم وفق صيغة انتقالية تجمع بين الانتخاب غير المباشر وتعيين ثلث الأعضاء بقرار من رئيس السلطة.
ورغم أن تركيبة المجلس تضم ممثلين عن مختلف المكونات القومية والدينية، بينهم عرب وكورد وتركمان وشركس، إضافة إلى ممثلين عن الطوائف الإسلامية والمسيحية، فإن الجدل لا يزال قائماً بشأن مدى تمثيله الحقيقي للمجتمع السوري، في ظل غياب الانتخابات العامة المباشرة وتبعية أو قرب المعينين من السلطة وإقصاء الأطراف الأخرى.
ويرى منتقدون أن الشرعية الشعبية الكاملة لا يمكن تحقيقها إلا عبر انتخابات عامة، بينما يعتبر مؤيدو السلطة الحالية أنها تمثل حلاً انتقالياً يضمن استمرار مؤسسات الدولة إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية وإجراء انتخابات شاملة.
كما يبرز تمثيل بعض المناطق، ولا سيما السويداء وأجزاء من شمال شرقي سوريا، كأحد أبرز التحديات السياسية أمام المجلس، في ظل استمرار الخلافات حول العلاقة بين السلطة المركزية والقوى المحلية.
المرأة والتمثيل السياسي
ومن الملفات التي رافقت تشكيل المجلس أيضاً قضية تمثيل المرأة، إذ ارتفع عدد النائبات من ست إلى 21 امرأة بعد استكمال التعيينات، إلا أن هذه الزيادة جاءت دون المطلوب، ولهذا تم تنظيم احتجاجات في حلب اعتبرت أن نسبة مشاركة النساء ما تزال دون المستوى المطلوب في مؤسسات الدولة الجديدة.
الاقتصاد ينتظر التشريع
ولا تقتصر مسؤوليات البرلمان على الملفات السياسية والدستورية، إذ تنتظره حزمة من القوانين الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار، وتحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح الإدارة العامة، وتطوير النظام الضريبي، ومكافحة الفساد، وهي ملفات ينظر إليها باعتبارها شرطاً أساسياً لاستعادة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات المحلية والخارجية.
ويؤدي تأخير انطلاق المجلس إلى إرجاء مناقشة هذه التشريعات، في وقت تحتاج فيه السلطة إلى بيئة قانونية مستقرة لدفع عملية التعافي الاقتصادي.
هل يؤثر التأجيل في المرحلة الانتقالية؟
إن تأجيل الجلسة الافتتاحية يعني بالضرورة وجود أزمة سياسية، وهو يضع المرحلة الانتقالية أمام أول اختبار عملي لقدرة مؤسسات الدولة الجديدة على إدارة التحديات المتزامنة، الأمنية منها والسياسية والدستورية.
ويجمع محللون على أن نجاح البرلمان لن يقاس بموعد انعقاد جلسته الأولى فحسب، بل بقدرته على أداء دوره كمؤسسة جامعة، قادرة على إنتاج تشريعات توافقية، وممارسة رقابة فعلية على السلطة التنفيذية، وإدارة حوار وطني واسع يشارك فيه مختلف مكونات المجتمع السوري بعيداً عن الإقصاء الذي تنتهجه السلطة المؤقتة حتى الآن.
وكذلك فإن استمرار التأجيل لفترة طويلة، من دون توضيحات رسمية، يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول جاهزية المؤسسات الانتقالية، ويؤثر في مستوى الثقة الداخلية والخارجية بمسار إعادة بناء الدولة.
وفي المحصلة، يبقى مجلس الشعب أحد أهم ركائز المرحلة الانتقالية في سوريا، إذ تتوقف على أدائه ملفات مصيرية تبدأ بصياغة الدستور ولا تنتهي بإرساء بيئة سياسية واقتصادية قادرة على استعادة الاستقرار. وبين ضرورات الأمن ومتطلبات بناء المؤسسات، يبدو أن نجاح المرحلة الانتقالية سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين حماية الاستقرار وتسريع استكمال الاستحقاقات الدستورية.



