التخـ ـوين بدل الإصلاح.. هل بدأت السلـ ـطة المؤقتة الجديدة تضـ ـيق بحرية الإعلام؟

منذ وصول السلـ ـطة المؤقتة إلى دمشق بعد سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد، رفعت شعارات بناء دولة تقوم على الحريات وسيادة القانون واحترام التعددية. إلا أن التطورات الأخيرة المرتبطة بالحمـ ـلة التي استهـ ـدفت تلفزيون سوريا أثـ ـارت تسـ ـاؤلات متزايدة حول مدى التزام السلـ ـطة بهذه الوعود، بعدما تحولت التغطية الإعلامية الناقـ ـدة إلى مادة لحمـ ـلات تخـ ـوين وتحـ ـريض، في مشهد يرى فيه كثيرون أنه يعيد إنتاج الأساليب التي ثـ ـار السوريون ضـ ـدها.
وأعاد الهجـ ـوم على القناة فتح ملف العلاقة بين السلـ ـطة ووسائل الإعلام، وسط مخـ ـاوف من أن تكون المرحلة الانتقالية قد بدأت تشهد تضـ ـييقاً على الأصوات المستقلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بانتقـ ـاد الأداء الحكومي أو مناقشة الملفات الأمـ ـنـ ـية والسياسية الحساسة.
النقد يتحول إلى اتهام
وبدأ التصعيد بعد أن خصصت القناة تغطيات موسعة للانفجارات التي شهدتها دمشق بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب تقارير تناولت قضايا التعيينات داخل مؤسسات الدولة، وتحدثت عن وجود شخصيات مثيرة للجدل في مواقع رسمية.
وبدلاً من الرد على ما ورد في تلك التقارير عبر توضيحات رسمية أو تقديم معلومات مضادة، اختارت شخصيات مقربة من السلطة، بينهم مسؤولون حكوميون، توجيه اتهامات مباشرة للقناة، ووصفتها بأنها “تلفزيون الفلول”، وهو وصف سرعان ما تحول إلى مادة للتداول على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى صحفيون أن استخدام هذا النوع من الخطاب لا يقتصر على النقد السياسي، بل يحمل أبعاداً تحريضية قد تضع الصحفيين في دائرة الاستهداف، خصوصاً في بيئة أمنية ما تزال هشة.
عودة خطاب الإقصاء
ويرى مراقبون أن أخطر ما في القضية ليس الخلاف مع وسيلة إعلامية، وإنما اللغة المستخدمة في التعامل معها.
فبدلاً من الاحتكام إلى الحق في الرد أو اللجوء إلى المؤسسات القضائية أو الهيئات الناظمة للإعلام، جرى استخدام مفردات مثل “الفلول” و”العمل ضد المصلحة الوطنية”، وهي مصطلحات ارتبطت في الذاكرة السورية بتبرير التضييق على المعارضين وإقصائهم.
ويحذر حقوقيون من أن تحويل أي انتقاد إلى قضية ولاء سياسي يهدد بإفراغ مفهوم حرية الصحافة من مضمونه، ويجعل وسائل الإعلام أمام خيارين: إما الاصطفاف مع السلطة أو التعرض لحملات تشهير وتحريض.
وعود الديمقراطية أمام أول اختبار
منذ تشكيل السلطة الجديدة، تحدث المسؤولون مراراً عن بناء دولة ديمقراطية تقوم على الشفافية والمحاسبة، إلا أن التعامل مع وسائل الإعلام الناقدة يثير شكوكاً بشأن مدى استعداد المؤسسات الرسمية لقبول الرقابة المجتمعية.
ويؤكد متابعون أن الديمقراطيات لا تُقاس بمدى الترحيب بالإعلام المؤيد، وإنما بقدرتها على تقبل النقد، حتى عندما يكون قاسياً أو محرجاً، طالما أنه يستند إلى وقائع ويخضع للمعايير المهنية.
ويعتبر هؤلاء أن الرد على التقارير الصحفية ينبغي أن يكون عبر تقديم المعلومات وتصحيح الأخطاء إن وجدت، وليس عبر حملات التخوين أو التشكيك في النوايا.
هل يتكرر إرث النظام السابق؟
أحد أبرز الشعارات التي رافقت إسقاط النظام السابق كان إنهاء احتكار الرواية الرسمية، وفتح المجال أمام إعلام حر ومستقل.
ولكن الحملة الأخيرة دفعت عدداً من الصحفيين والناشطين إلى التساؤل عما إذا كانت السلطة الجديدة بدأت تعيد إنتاج العلاقة ذاتها مع الإعلام، وإن اختلفت الشعارات.
ويرى منتقدون أن أي سلطة تعتبر نفسها فوق المساءلة، أو تنظر إلى النقد باعتباره تهديداً، تخاطر بإعادة إنتاج البيئة السياسية التي ساهمت في تعميق الأزمة السورية طوال السنوات الماضية.
حرية الإعلام ركيزة للاستقرار لا تهديد له
في المقابل، يرى مسؤولون ومؤيدون للسلطة أن البلاد تمر بمرحلة استثنائية تتطلب قدراً من المسؤولية في التغطية الإعلامية، خصوصاً في القضايا الأمنية، وأن بعض المعالجات قد تؤثر في الاستقرار الداخلي أو تستغلها جهات معادية.
إلا أن منتقدي هذا الطرح يؤكدون أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر إسكات وسائل الإعلام، بل من خلال تعزيز الشفافية، وتمكين الصحافة من ممارسة دورها الرقابي، لأن إخفاء المشكلات لا يؤدي إلى حلها، وإنما يؤجل انفجارها.
اختبار حاسم لمستقبل الحريات
لا تبدو أزمة “تلفزيون سوريا” مجرد خلاف بين مؤسسة إعلامية والسلطة، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل الحريات في سوريا الجديدة. فإذا أصبحت حملات التخوين بديلاً عن الحوار والرد المؤسسي، فإن المخاوف ستتزايد من انزلاق المشهد نحو إعادة إنتاج ممارسات طالما انتقدها السوريون.
وفي المقابل، فإن قدرة السلطة على حماية حق وسائل الإعلام في النقد، حتى عندما يكون موجهاً إليها، ستكون أحد أهم المؤشرات على جدية مشروعها في بناء دولة تقوم على التعددية وسيادة القانون، لا على احتكار الرواية وإقصاء الأصوات المخالفة.



