«20 ألف إيغوري في سوريا.. بين ضغوط بكين ومكافآت دمشق»

الإيغور من ساحات القتال إلى الحياة المدنية

أفاد تقرير نشرته قناة الحرة بأن نحو 20 ألف شخص من أقلية الإيغور استقروا في سوريا خلال السنوات الماضية، بعدما جذبتهم في البداية الحرب التي اندلعت ضد نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد. ومع مرور الوقت، تحول وجودهم من مشاركة في المعارك إلى تأسيس حياة مستقرة، حيث باتوا يديرون مشاريع صغيرة ومخابز، ويبنون منازلهم، ويسجلون أبناءهم في المدارس التي تعتمد اللغة العربية.

ضغوط صينية ومستقبل مجهول

ورغم هذا الاستقرار النسبي، لا يزال مستقبل الإيغور في سوريا يكتنفه الغموض. فبحسب التقرير، تواجه الحكومة السورية ضغوطًا متزايدة من الصين التي تطالب بإعادتهم إلى أراضيها، في حين يؤكد كثير من الإيغور أنهم لا يعتزمون المغادرة، ويعتبرون أن سوريا أصبحت المكان الوحيد الذي يمكنهم العيش فيه.

ونقل التقرير عن ماماتجان جوما، المدير التنفيذي لشبكة أخبار الإيغور، قوله إن بكين تنظر بقلق إلى وجود الإيغور في سوريا، خشية أن تنتقل خبراتهم القتالية يومًا ما إلى الصين. وأضاف أن السلطات الصينية لطالما أبدت مخاوف من سيناريو مشابه لما جرى في سوريا، حيث أُطيح بالحكومة عبر العمل المسلح.

أكبر تجمع للمقاتلين الأجانب في سوريا

وأشار التقرير إلى أن الإيغور يشكلون اليوم أكبر تجمع للمقاتلين الأجانب في سوريا، وأن مشاركتهم في المعارك التي انتهت بسقوط نظام الأسد جعلت ملفهم شديد الحساسية بالنسبة للسلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. فبينما تطالب الصين بتسليم جميع الإيغور الموجودين في سوريا، تتجه دمشق إلى الاستفادة من خبراتهم ومكافأة بعضهم على الدور الذي لعبوه خلال سنوات الحرب، بما في ذلك إشراكهم في بناء الجيش السوري الجديد.

الحزب الإسلامي التركستاني بين الرواية الصينية ورأي الباحثين

وفيما يتعلق بـ«الحزب الإسلامي التركستاني»، أوضح التقرير أن الصين تعتبره امتدادًا لـ«حركة تركستان الشرقية الإسلامية» التي تصنفها منظمة إرهابية وتربطها بتنظيم القاعدة وحركة طالبان. إلا أن شون روبرتس، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، يرى أن العلاقة بين التنظيمات الحالية وسابقاتها ليست بالتماسك الذي تصوره بكين.

وقال روبرتس إن بعض عناصر الحزب لا يزالون يتنقلون بين سوريا وأفغانستان، إلا أن التنظيمات الموجودة في البلدين تطورت بشكل مختلف ولم تعد تمتلك بنية تنظيمية موحدة كما في السابق، رغم استمرار قنوات التواصل بينها.

كيف وصل الإيغور إلى سوريا؟

ووفقًا للتقرير، وصل مقاتلو الحزب الإسلامي التركستاني إلى سوريا بعد اندلاع الحرب عام 2011، حيث عبروا دول آسيا الوسطى قبل دخولهم الأراضي السورية عبر الحدود التركية، ليستقروا لاحقًا في مناطق كانت خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب البلاد.

ويرى روبرتس أن انخراط الحزب في الحرب السورية ساهم في تحول تدريجي في خطابه وأهدافه، إذ تراجع التركيز على الطابع الجهادي لصالح خطاب أكثر ارتباطًا بالقضية القومية للإيغور. كما لفت إلى أن هذا التحول تزامن مع التغييرات الفكرية والسياسية التي شهدتها هيئة تحرير الشام، ما يعكس وجود علاقات وثيقة بين الطرفين خلال السنوات الماضية.

اتهامات للصين باستغلال ملف الإرهاب

من جانبه، اعتبر ماماتجان جوما أن الصين تستخدم اتهامات الإرهاب بحق الإيغور كوسيلة سياسية لتشويه صورتهم وممارسة الضغوط على الدول التي تستضيفهم، مؤكدًا أن بكين تسعى إلى نزع الشرعية عن مطالبهم السياسية والثقافية من خلال ربطهم الدائم بالتطرف.

مقاتلون أم لاجئون؟

وفي محور آخر، تناول التقرير مسألة دوافع وصول الإيغور إلى سوريا، مشيرًا إلى أن بعضهم التحق بالقتال بهدف اكتساب خبرة عسكرية كان يعتقد أنها قد تفيده مستقبلًا في مواجهة السلطات الصينية داخل إقليم شينجيانغ، الذي يطلق عليه الإيغور اسم «تركستان الشرقية».

لكن روبرتس شدد على أن أعدادًا كبيرة من الإيغور لم تصل إلى سوريا كمقاتلين، بل كلاجئين فروا من الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الصين عقب أحداث أورومتشي عام 2009. وأضاف أن كثيرًا من العائلات انتقلت إلى سوريا بعد تلقيها وعودًا بتوفير مساكن ومدارس داخل مجتمعات إيغورية أخذت بالتوسع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام آنذاك.

تجربة سوريا وتغيير الرؤية السياسية

وأشار التقرير إلى أن أعمال العنف التي شهدتها مدينة أورومتشي في يوليو/تموز 2009، والتي أوقعت نحو 200 قتيل، شكلت نقطة تحول في علاقة السلطات الصينية بالإيغور، إذ أعقبها تشديد واسع للإجراءات الأمنية والرقابة في إقليم شينجيانغ.

كما نقل التقرير عن الكاتب واللغوي الإيغوري عبد الولي أيوب، الذي زار سوريا وأجرى مقابلات مع مقاتلين إيغور، قوله إن التجربة السورية تركت أثرًا عميقًا في رؤية هؤلاء لمستقبل قضيتهم. وأضاف أن بعض المقاتلين تحدثوا عن الدروس التي تعلموها في مجالات بناء المؤسسات وإدارة الدولة وصياغة الدساتير، فضلًا عن أهمية التعايش مع جماعات تنتمي إلى خلفيات دينية وعرقية وسياسية مختلفة.

وأوضح أيوب أن أحد المقاتلين أخبره بأن العودة المباشرة من أفغانستان إلى تركستان الشرقية كانت ستجعلهم في صدام ليس فقط مع الحكومة الصينية، بل مع شرائح من مجتمعهم أيضًا، بسبب تبنيهم آنذاك أفكارًا متشددة لا تنسجم مع تطلعات معظم الإيغور ولا مع مبادئ الديمقراطية.

الخوف من بكين والبحث عن وطن جديد

وفي ما يتعلق بواقع الإيغور الحالي في سوريا، أكد أيوب أنهم يواجهون تحديات متعددة، أبرزها الخوف من التحدث علنًا عن أوضاعهم أو عن سياسات الصين تجاههم. وأضاف أن كثيرين منهم يتجنبون إجراء مقابلات إعلامية خشية تعرض أقاربهم المقيمين في الصين لضغوط أو إجراءات انتقامية.

وختم التقرير بالإشارة إلى أن عددًا كبيرًا من الإيغور باتوا ينظرون إلى سوريا باعتبارها وطنهم الجديد، حيث يشعرون بأنهم يتمتعون بحرية أكبر في ممارسة حياتهم وشعائرهم الدينية مقارنة بما كانوا يواجهونه في الصين، في وقت لا تزال فيه قضيتهم محل تجاذب بين دمشق وبكين، وسط غموض يحيط بمصيرهم على المدى البعيد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى