عام على مجـ ـازر السويداء: جـ ـراح الفتـ ـنة الطـ ـائفية لم تنـ ـدمـ ـل والعدالة تواجه معـ ـوقات التعـ ـطيل

رغم مرور عام كامل على الأحـ ـداث الد..امية والمجـ ـازر ذات الطـ ـابع الطـ ـائفي التي اجتـ ـاحت محافظة السويداء في تموز من العام الماضي، لا يزال مسار التحقـ ـيقات والمحـ ـاسبة شبه معـ ـطل وسط غيـ ـاب للإرادة السياسية والقانونية. ورغم كل المناشدات الإنسانية والاتصالات التي يطلقها ذوو الضـ ـحايا والمصـ ـابون، والدعوات المتكررة من المنظمات الحقوقية للانتهاء من التحقـ ـيقات بنزاهة وتوقـ ـيف الجـ ـنـ ـاة لإحـ ـالتهم إلى محـ ـاكمة عادلة بإشراف دولي، فإن لغة السـ ـلاح والتعـ ـطيل الإداري لا تزال تهيمن على المشهد في المحافظة، لتبقي الملف مفتوحاً على شتى الاحتمالات.
وتشير الحصيلة التراكمية الإجمالية التي وثقتها المصادر الحقوقية إلى سقوط 2064 قتيلاً منذ اندلاع شرارة المواجهات، حيث تركزت الغالبية الساحقة من هذه الخسائر البشرية في ذروة الأحداث خلال شهر تموز من عام 2025، والتي سجلت وحدها مقتل 1990 شخصاً. وتوزع ضحايا تلك الموجة العنيفة بين 735 قتيلاً من أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، قضى منهم عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال جراء القصف، بالإضافة إلى 827 آخرين تعرضوا لعمليات إعدام ميدانية وتصفيات طائفية نفذتها قوات الأمن الداخلي والدفاع التابعة للحكومة المؤقتة، بمشاركة مجموعات عشائرية مسلحة ومقاتلين أجانب، ولم يسلم منها حتى الكادر الطبي للمستشفى الوطني بالمحافظة.
وفي المقابل، سجلت الجبهة العسكرية مقتل 477 مجنداً وضابطاً من وزارتي الدفاع والداخلية، في حين أسفر قصف طيران إسرائيلي استهدف مبنى وزارة الدفاع بدمشق ورتلاً عسكرياً قرب السويداء عن مقتل 18 شخصاً، بالتزامن مع مقتل إعلاميين اثنين أثناء تغطيتهما الميدانية للمواجهات.
ومع دخول الهدنة حيز التنفيذ لاحقاً، انخفضت أرقام الضحايا نسيباً، لتقتصر الخسائر خلال الأشهر التي تلت على ضحايا خروقات متفرقة واغتيالات عثر خلالها على جثامين مفقودين قضوا في الإعدامات السابقة، إلى جانب مدنيين سقطوا نتيجة الجرائم الجنائية وفوضى السلاح المنفلت.
ولم تتوقف تداعيات المجازر عند أرقام القتلى، بل امتدت لتحدث شرخاً إنسانياً واجتماعياً هائلاً في النسيج الأهلي، حيث لا يزال مصير 60 شخصاً من أبناء العشائر البدوية و30 من مرتبات وزارة الدفاع مجهولاً حتى اللحظة. كما تسببت المواجهات في موجة نزوح قسري هائلة طالت أكثر من مئتي ألف شخص من البدو والدروز على حد سواء، بعد أن تعرضت منازلهم ومحالهم التجارية ودور عبادتهم للنهب والحرق في نحو 35 قرية، مما فاقم المعاناة المعيشية في ظل انعدام برامج الدعم والاستجابة الطارئة لإعادة الإعمار.
وفي تطور ميداني يعكس هشاشة اتفاق التهدئة، عاد التصعيد العسكري مجدداً مع مطلع شهر تموز الجاري، حيث سقط 3 قتلى في خرق واضح للاتفاق، قُتل اثنان منهم من عناصر الفصائل المحلية إثر هجوم بري وجوي مباغت شنته القوات الحكومية على محور تل حديد ومنطقة المعامل، لتتوسع المواجهات إلى محيط بلدتي أم الزيتون والمتونة شمال غربي المحافظة، مسفرة عن إصابة نحو 50 مدنياً ومقاتلاً، فيما قضى عنصر من أمن البادية جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب أثناء تمشيط الطرق الفرعية.
وعلى الصعيد القانوني، ورغم إعلان وزارة العدل في الحكومة المؤقتة بدء جلسات محاكمة في محكمة الجنايات العسكرية بدمشق، وإحالة 23 عنصراً من الجيش والأمن إلى القضاء لمواجهة تهم تتعلق بالانتهاكات، ومنها حادثة “المتونة” الدامية التي راح ضحيتها 5 من عمال قطاف الزيتون، فإن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات وتعقيدات مستمرة، وسط اتهامات للجهات المعنية في الحكومة المؤقتة بالتقصير والتعطيل الممنهج لأسباب سياسية وطائفية.
أمام هذا الواقع الحرج، تتعالى التحذيرات الحقوقية من أن أعمال العنف التي بدأت العام الماضي ترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يستدعي تدخلاً دولياً وإقليمياً لدعم آليات العدالة الانتقالية وتقديم الدعم الفني والقانوني للهيئات القضائية السورية.
وتطالب القوى المدنية بضرورة بدء إصلاح شامل للقطاع الأمني، ووضع خطط وطنية لدمج ونزع سلاح المجموعات الرديفة، وتفعيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لتسهيل عودة المهجرين، مع التأكيد على نبذ خطاب الكراهية ووقف الشحن الطائفي والتحريض المتبادل بين البدو والدروز، باعتبار أن العيش المشترك يمثل الخيار الوجودي الوحيد لأبناء الجبل، وأن اللجوء إلى الثأر لن يورث إلا المزيد من الخراب والدماء.



