“أنقرة تزاحم موسكو في معقلها.. رادار تركي يرصد حميميم من قلب الساحل السوري”.

يشهد الساحل السوري تحولاً عسكرياً لافتاً مع ورود معلومات عن نشر رادار تركي داخل موقع الدفاع الجوي السابق في مدينة بانياس، في خطوة تتجاوز مجرد المراقبة التقنية لتضع القاعدة الروسية في حميميم تحت أعين أنقرة مباشرة.

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها اختراق غير مسبوق لمجال النفوذ الروسي في الساحل السوري، حيث باتت حميميم، جوهرة الوجود العسكري الروسي في سوريا وشرق المتوسط، ضمن نطاق الرصد التركي من قلب المنطقة التي طالما اعتُبرت الحديقة الخلفية لموسكو.

ويثير هذا التطور تساؤلات حول حجم التمدد التركي في الساحل السوري، وما إذا كانت أنقرة تنتقل من مرحلة التنسيق مع موسكو إلى مرحلة مراقبة تحركاتها العسكرية عن قرب، في مؤشر جديد على تغير موازين القوى وتراجع الاحتكار الروسي للمشهد العسكري في المنطقة.

ويقع الموقع في منطقة كانت تضم سابقاً أحد أفواج الدفاع الجوي التابعة للجيش السوري السابق، قبل أن يشهد تغيرات في طبيعة انتشاره العسكري عقب التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد.

وبحسب المعلومات المتوافرة، يضم الموقع حالياً راداراً تركياً، إلى جانب عناصر من القوات البحرية التابعة لحكومة دمشق، فضلاً عن زوارق سريعة تُستخدم لتسهيل الحركة في البحر. كما تقتصر التجهيزات العسكرية الموجودة في الموقع على عربات للرادار ومركبات مزودة بمدافع من عيار 23.5 ملم، دون مؤشرات على وجود منظومات دفاع جوي ثقيلة أو بطاريات صاروخية في المكان.

وتشير المعلومات إلى أن المسؤول عن إدارة الموقع هو شخص يُعرف باسم “الشيخ أبو عمر”، وينحدر من محافظة حماة، ويُقال إنه يتمتع بعلاقة وثيقة مع وزير الدفاع في حكومة دمشق، الأمر الذي يمنح الموقع أهمية إضافية من الناحية الإدارية والعسكرية.

أهمية الموقع

تكتسب بانياس أهمية استراتيجية باعتبارها إحدى المدن الساحلية الرئيسية في سوريا، إذ تطل على البحر المتوسط وتقع بالقرب من منشآت حيوية تشمل مرافئ ومرافق للطاقة، كما تمثل حلقة وصل بين محافظتي طرطوس واللاذقية، اللتين تضمان أهم القواعد العسكرية الروسية في البلاد.

ولذلك فإن نشر منظومة رادارية في هذه المنطقة لا يُنظر إليه بوصفه خطوة تقنية فحسب، بل باعتباره جزءاً من منظومة مراقبة أوسع يمكن أن توفر تغطية لحركة الملاحة البحرية والجوية في القطاع الأوسط من الساحل السوري.

مؤشرات على توسع الدور التركي

ورغم عدم صدور إعلان رسمي من أنقرة أو دمشق بشأن طبيعة المهمة التي يؤديها الرادار، فإن وجود تجهيزات تركية في منطقة الساحل يحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة.

فتركيا، التي ركز وجودها العسكري خلال السنوات الماضية في شمال سوريا، تبدو اليوم أكثر انخراطاً في مناطق كانت تُعد تقليدياً ضمن نطاق النفوذ الروسي، وهو ما قد يعكس تفاهمات جديدة مع حكومة دمشق، أو يعبر عن إعادة توزيع للأدوار الأمنية والعسكرية داخل البلاد.

كما أن وجود عناصر من القوات البحرية التابعة لحكومة دمشق داخل الموقع يشير إلى نوع من التنسيق المشترك، بما يسمح بإدارة المنشأة ضمن ترتيبات أمنية تجمع بين الطرفين.

صراع نفوذ بين تركيا وروسيا

ويرى مراقبون أن أي حضور عسكري تركي على الساحل السوري يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الميداني، إذ يلامس واحدة من أكثر مناطق النفوذ الروسي حساسية.

فمنذ التدخل العسكري الروسي عام 2015، شكل الساحل السوري مركز الثقل للوجود العسكري الروسي، حيث تنتشر القواعد البحرية والجوية التي تضمن لموسكو موطئ قدم دائم على البحر المتوسط، وتمنحها قدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية.

وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توسيع هامش حضورها داخل سوريا، سواء عبر ترتيبات أمنية مع الحكومة الجديدة أو من خلال تعزيز أدواتها الاستخباراتية والعسكرية، بما يضمن حماية مصالحها المرتبطة بأمن الحدود، ومراقبة التحركات العسكرية في شمال ووسط البلاد.

وفي هذا السياق، يمكن للرادار الموجود في بانياس أن يمثل أداة مهمة لجمع المعلومات ومراقبة المجالين البحري والجوي، وهو ما قد يمنح أنقرة قدرة أكبر على متابعة التحركات العسكرية في الساحل السوري، وهي منطقة لطالما اعتُبرت ضمن المجال الحيوي لروسيا.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى