برلمان “المرحلة الانتقالية” في سوريا: إعادة تدوير القوالب القديمة تحت عباءة التطوير التشريعي
مع دخول مجلس الشعب السوري مهلة الشهر الدستورية المحددة لإنجاز نظامه الداخلي وتشكيل لجانه البرلمانية، تتوجه الأنظار بنوع من التشـ ـكيك والانتـ ـقاد نحو الكواليس الإدارية للمجلس الذي بدأ أعماله فعلياً بجلسته الأولى في الثاني عشر من تموز الجاري. ورغم محاولات تصدير المشهد بوصفه ولادة لـ “سوريا الجديدة” واكتمالاً لنصاب سلطاتها الثلاث في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، إلا أن القراءة المتأنية للآليات المتبعة تظهر فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والواقع التنظيمي المترهل.
وتكمن أولى نقاط الانتقاد في حجم “الهدر الزمني” الذي يسبق تشكيل القواعد المنظمة لعمل المجلس؛ إذ يأتي تفعيل المهلة الدستورية لإعداد النظام الداخلي بعد فترة انتظار وصفت بالطويلة جداً امتدت لنحو تسعة أشهر كاملة منذ اختيار الأعضاء عبر اللجان الانتخابية وحتى انعقاد الجلسة الأولى.
ورغم هذا المخاض الطويل، يعود المشرعون السوريون لتعليق ورفع الجلسات حتى السادس والعشرين من تموز الجاري بانتظار إعداد مسودة النظام الداخلي، في خطوة تعكس بطئاً إجرائياً لا يتماشى مع تسارع التحديات والأزمات المعيشية والخدمية الملحة التي تعصف بالبلاد وتتطلب استجابة تشريعية فورية.
إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية “التبعية المنهجية” للموروث القانوني القديم؛ فبينما يتم الحديث عن صياغة نظام داخلي يواكب متطلبات العهد الانتقالي، يقر نواب ومسؤولون داخل المجلس بأن الصياغة الحالية ستعتمد بشكل أساسي على قواعد وهياكل النظام الداخلي السابق لبرلمان ما قبل المرحلة الانتقالية، مع إجراء تعديلات وصفت بالطفيفة أو الاستئناس بتجارب مجالس برلمانية عربية كالأردن.
هذا التمسك بالقوالب الجاهزة القديمة يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة المجلس الحالي على إنتاج منظومة رقابية وتشريعية مستقلة وجريئة، تبتعد عن دور “المصادق التقليدي” على قرارات السلطة التنفيذية الذي طالما رُبط بالبرلمانات السابقة.
ولا يتوقف الأمر عند حدود تنظيم الجلسات، بل يمتد إلى ملف “هيكلة اللجان البرلمانية”. ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن تقليص بعض اللجان التقليدية البالية التي حافظ عليها المجلس منذ دستور عام 1973 وتعديلات 2017، والترويج لاستحداث لجان رنانة مثل “العدالة الانتقالية والمحاسبة” و”السلم الأهلي”، يرى مراقبون أن العبرة لا تكمن في استحداث المسميات، بل في الصلاحيات الحقيقية الممنوحة لهذه اللجان لتمكينها من الرقابة والمحاسبة الفعلية للمؤسسات الحكومية والأمنية المتورطة في ملفات معقدة.
إن بقاء المسار التشريعي رهناً بالتوافقات السياسية الفوقية، والاكتفاء بالحلول الإسعافية والمصالحات الفوقية، يهدد بتحويل لجان العدالة والمحاسبة المرتقبة إلى مجرد كيانات بروتوكولية لتزيين المشهد الخارجي للمرحلة الانتقالية دون تقديم محاسبة حقيقية للمتضررين، مما يجعل الشارع السوري ينظر بعين الترقب والريبة لمدى جدية هذا البرلمان في إحداث فارق ملموس.



