تحت عباءة البطريرك: كيف تهندس المخـ ـابرات التركية “تتريك” مسيحيي سوريا بالصفقات والمال؟
جبهة باردة جديدة على الساحة السورية

لم تكن مرحلة ما بعد سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد في سوريا نهاية للمخـ ـططات الإقليمية الساعية لإعادة هندسة الجغرافية البشرية والسياسية في سوريا، بل لعلها دشنت فصلاً أكثر تعقـ ـيداً وضـ ـراوة من صـ ـراع النفـ ـوذ. وتبرز في صدارة هذا الصراع المحاولات التركية الحثيثة والممنهجة لاحتواء المكونات السورية غيـ ـر السنية، وبشكل خاص المكون المسيحي السرياني. فمن خلال قراءة متأنية لتحـ ـركات جهـ ـاز الاستخـ ـبارات التركي، يتضح أن أنقرة تسعى لفرض وصاية حديدية على هذا المكون الحيوي، ومحـ ـاصرة أي حراك سياسي مستقل يطالب بالمواطنة المتساوية والعلمانية والديمقراطية.
ويأتي هذا التقرير ليفكك أبعاد هذا المخطط التركي، ويسلط الضوء على آليات التغلغل واستخدام الأدوات الدينية، مستعرضاً في المقابل مسارات الاستجابة الوطنية الملحة لتصحيح المسار وحماية التعددية السورية.
الاستخبارات التركية ومراقبة “المؤتمر المسيحي السوري في أميركا”
وتشير التقارير الميدانية المتقاطعة إلى أن جهاز الاستخبارات التركي (MIT) وضع نشاط مسيحيي سوريا في الداخل والخارج تحت مجهر الرقابة اللصيقة. وتتركز الهواجس التركية بشكل خاص حول “المؤتمر المسيحي السوري في الولايات المتحدة”، الذي يقوده وينسق جهوده الناشط والسياسي البارز عهد الهندي.
وتصف الدوائر الأمنية في أنقرة هذا المؤتمر بأنه حركة معارضة عابرة للحدود تشكل تهديداً مباشراً لمصالحها ومصالح الحكومة المؤقتة الموالية لها في دمشق.
وتنظر أنقرة بريبة شديدة إلى الأهداف المعلنة للمؤتمر، والتي تدور حول تأسيس كتلة سياسية مسيحية سورية واسعة تطالب بـ فصل الدين عن السياسة. وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية والتعددية الديمقراطية. وإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة تحت إشراف دولي مباشر.
وتخشى تركيا من أن نجاح المؤتمر في تشكيل لجان وطنية في العواصم الأوروبية، وفتح باب العضوية على نطاق واسع، وبدء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي موسع بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، سيمهد الطريق لعمل هذا الجسم السياسي في الداخل السوري تحت حماية دولية.
وترى المقاربة التركية أن هذا الزخم الغربي-الإسرائيلي يهدف بالدرجة الأولى إلى عزل دورها وإقصائها من صياغة مستقبل الخارطة السورية عبر سحب ورقة الأقليات من يدها.
تغلغل أنقرة في الساحة السريانية والتوظيف السياسي لـ “مار أغناطيوس”
وفي مواجهة هذا الصعود السياسي المستقل للمسيحيين السوريين في المغترب، تسعى أنقرة جاهدة لإنشاء واجهة دينية مطواعة تمثل مسيحيي سوريا في المحافل الدولية وتدين بالولاء لأجندتها الإقليمية. وضمن هذا المخطط، تبرز التحركات التركية المكثفة تجاه الكنيسة السريانية، والتي تجلت في لقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع البطريرك مار أغناطيوس أفرام الثاني، واستقبال المسؤولين الأتراك لوفود وشخصيات سريانية من أوروبا في محاولة لتسويق أنقرة كـ “حامية” و”راعية” للمكون المسيحي.
وتكشف القراءة النقدية لأداء البطريرك مار أغناطيوس أفرام الثاني عن انخراطه المقلق في هذه اللعبة السياسية. وتحت ذريعة تنظيم المجتمع السرياني ورعاية شؤونه، يقوم البطريرك بتحركات مريبة، كزيارته إلى مناطق الجزيرة السورية (الحسكة والقامشلي)، والتي تُصنف كخطوات منسقة تهدف إلى سحب البساط من الإدارة الذاتية عبر دفع السريان قسراً نحو الخضوع لسلطة دمشق الموالية لتركيا، وإضعاف الكيانات السياسية السريانية المستقلة في شمال وشرق سوريا. وكذلك العمل على إدارة أوقاف وأملاك السريان بشكل مركزي من دمشق، وتحويل ملفات إعادة إعمار الكنائس والمشاريع الاقتصادية إلى صفقات استثمارية تدار عبر قنوات الكنيسة المباشرة مع الجهات المرتبطة بأنقرة ودمشق، بما يحقق مصالح تجارية ومالية شخصية ضيقة على حساب الحقوق التاريخية والسياسية للمسيحيين.

إن هذه السياسة البطريركية لا تساهم فقط في تكريس التبعية لتركيا، بل تُفرغ القضية المسيحية السورية من مضمونها الحقوقي والسياسي، وتحولها إلى ورقة مقايضة تسعى حكومة دمشق الحالية لاستخدامها دولياً لإظهار قدرتها الزائفة على حماية الأقليات، سعياً لكسب دعم أميركا وأوروبا.
الحرب الباردة الإقليمية ومخاطر الوصاية التركية
ويتداخل ملف الأقليات في سوريا بشكل وثيق مع حالة “الحرب الباردة” المستعرة بين تركيا وإسرائيل. فبينما تسعى تل أبيب وحلفاؤها الغربيون لإضعاف قبضة حكومة دمشق (الموالية لتركيا) عبر دعم حركات التعددية والمواطنة العلمانية، تحاول أنقرة استخدام نفوذها الديني عبر البطريركية السريانية لقطع الطريق أمام أي تمثيل مسيحي علماني حقيقي.
إن خطورة هذا المخطط التركي لا تقتصر على تذويب الهوية السياسية للمسيحيين السوريين، بل تمتد لتكريس نمط المحاصصة الطائفية التقليدي الذي يحرم السوريين من بناء دولة المواطنة والعدالة.
إن سعي الاستخبارات التركية لفرض البطريرك مار أغناطيوس كمتحدث أوحد وصاحب القرار الأبرز لمسيحيي سوريا يمثل عملية سطو ممنهجة على التنوع الفكري والسياسي للمكون المسيحي، وتوظيفاً رخيصاً للمقدسات الدينية لخدمة أوهام التوسع العثماني الجديد.
آليات المواجهة واستعادة المبادرة الوطنية
وأمام هذا التغول التركي الممنهج والتواطؤ من بعض القيادات الروحية، تبرز حاجة ملحة لخطوات عملية واضحة يقودها السوريون بمختلف مكوناتهم لحماية النسيج الوطني واستعادة المبادرة السياسية، من بينها ضرورة أن تقوم القوى الديمقراطية السورية بكافة أطيافها ببناء جسور تواصل متينة وعلاقات استراتيجية مع “المؤتمر المسيحي السوري في أميركا”، والاستفادة من جهود منسقيه مثل عهد الهندي لتشكيل جبهة سياسية قوية قادرة على مخاطبة مراكز القرار الدولي (واشنطن وباريس) وطرح البديل الديمقراطي الحقيقي القائم على المواطنة المتساوية بعيداً عن صفقات التتريك.
وإلى جانب ذلك يجب تفعيل “حزب الاتحاد السرياني” بشكل أكبر، حيث تقتضي الضرورة الوطنية دفع حزب الاتحاد السرياني لاستئناف كامل نشاطه السياسي والميداني بقوة في مناطق الجزيرة السورية وكافة المحافظات، ليكون المعادل الموضوعي والسياسي الحقيقي للتبعية الكنسية، وليضمن تمثيلاً سياسياً علمانياً يحمي حقوق السريان القومية والسياسية في الدستور الجديد بعيداً عن العباءة التركية.
فضلاً عن ضرورة كشف الأعمال الكنسية المناهضة لحقوق المسيحيين السياسية، وتفكيك إدارتها النفعية للملفات التجارية والمالية ومشاريع إعادة الإعمار، وفضح تواصلها التنسيقي مع الأجهزة الأمنية لأنقرة ودمشق، بهدف توعية الشارع المسيحي السوري بخطورة هذا التوظيف الديني وتأثيره الكارثي على وجودهم التاريخي في البلاد.
إن معركة الهوية والديمقراطية في سوريا لا يمكن كسبها بالاستسلام لإرث الاستبداد أو بالقبول بالوصاية التركية المقنعة بالدين. إن تمكين القوى العلمانية والمسيحية المستقلة، ودعم حراك المغترب، وتفعيل الكيانات السياسية كحزب الاتحاد السرياني، هي صمامات الأمان الحقيقية لمنع تحويل مسيحيي سوريا إلى رهائن لسياسات أنقرة التوسعية، وضمان بقائهم كشريك أصيل وجزء لا يتجزأ من الدولة السورية الديمقراطية التعددية القادمة. فمن ارتكب مجازر السيفو وأباد السريان الآشور والأرمن في مناطقهم الأصلية في تركيا لن يقدم على خطوة تجاه المسيحيين إلا من أجل مصلحته.



