ماذا رأى باحث فرنسي داخل دمشق؟ رجال إدلب في مواقع القرار والشرع ما زال تحت الاختبار

كشف الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية، هوغو ميشيرون، عن مشاهدات سجلها خلال مرافقته الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارته إلى دمشق مطلع يوليو/تموز الجاري، في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2008، مقدماً صورة مركبة عن واقع البلاد بعد أكثر من عام ونصف على وصول أحمد الشرع إلى السلطة.

وفي مقال نشرته مجلة Le Point الفرنسية، وصف ميشيرون الزيارة بأنها فرصة نادرة للاطلاع من الداخل على طبيعة السلطة الجديدة التي تشكلت بعد سقوط نظام بشار الأسد، وعلى التحديات التي تواجهها في بلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.

وجوه إدلب في مؤسسات الدولة

يلفت الباحث إلى أنه فوجئ بوجود شخصيات كانت تنتمي سابقاً إلى هيئة تحرير الشام في مواقع رسمية داخل مؤسسات الدولة الجديدة، بدءاً من مسؤولي البروتوكول وصولاً إلى مسؤولين في الوزارات، معتبراً أن كثيراً من كوادر الهيئة السابقة انتقلوا إلى مواقع النفوذ في دمشق بعد حل التنظيم.

ويذكّر ميشيرون بأن أحمد الشرع هو نفسه أبو محمد الجولاني، القائد السابق لهيئة تحرير الشام ذات الجذور المرتبطة بتنظيم القاعدة، معتبراً أن حل الهيئة لم يؤدِّ إلى اختفاء كوادرها، بل إلى انتقال عدد منهم إلى مؤسسات الدولة الجديدة.

أمن مشدد وانفجارات قرب مقر الوفد الفرنسي

خلال تنقل الوفد، فرضت السلطات إجراءات أمنية استثنائية شملت إغلاق الطرق وانتشار الطائرات المسيّرة والمروحيات.

لكن في صباح اليوم التالي دوّى انفجاران قرب فندق “فورسيزونز” الذي أقام فيه الوفد الفرنسي. ووفق الرواية الواردة في المقال، بدأ الهجوم بسيارة مفخخة أعقبها انفجار ثانٍ استهدف فرق الإنقاذ. ونُسب الهجوم إلى تنظيم داعش، ما أثار تساؤلات حول قدرة السلطات الجديدة على فرض الأمن حتى داخل العاصمة.

دمشق تتغير اجتماعياً

يصف الباحث دمشق بأنها لم تتغير كثيراً من حيث الشكل العمراني، لكنها تبدو أكبر سناً وأكثر إنهاكاً بسبب سنوات الحرب. ويشير إلى تحولات اجتماعية ودينية يراها دليلاً على ما يسميه “السلفية الصامتة”، من بينها ازدياد ظهور النقاب في أحياء لم يكن مألوفاً فيها سابقاً، إضافة إلى تراجع حضور المشروبات الكحولية في بعض المطاعم والحانات.

“إدلِبة” النخبة الحاكمة

بحسب الباحث، فإن أحمد الشرع أحاط نفسه بشخصيات رافقته خلال سنوات سيطرته على إدلب، ومنحهم مواقع أساسية في الدولة الجديدة. ويؤكد أن نفوذ هذه الدائرة بات واضحاً داخل مؤسسات الحكم، بينما يستعين الشرع أيضاً ببعض الكوادر والخبرات التي عملت في عهد النظام السابق بسبب الحاجة إلى إدارة مؤسسات الدولة.

ويستخدم ميشيرون مصطلح “إدلِبة” مؤسسات الدولة لوصف انتقال نموذج الحكم والشبكات التي تشكلت في إدلب إلى مؤسسات السلطة في دمشق، معتبراً أن النخبة الحاكمة الجديدة تمثل إلى حد كبير امتداداً للدائرة التي أحاطت بالشرع خلال سنوات الحرب. كما يشير إلى أن بعض المقربين منه ما زالوا يخاطبونه بلقب “الشيخ”، بما يعكس، بحسب رأيه، استمرار حضوره كمرجعية دينية داخل محيطه السياسي الضيق.

ويرى الباحث أن السلطة الجديدة تعتمد بدرجة كبيرة على شبكة من رفاق الشرع القدامى الذين رافقوه خلال سنوات إدلب، وأن عامل الثقة الشخصية يحتل موقعاً محورياً في بنية الحكم الجديدة. ويستشهد في هذا السياق بعدد من الملاحظات التي سجلها خلال زيارته، معتبراً أن معيار الولاء والثقة يبدو أكثر حضوراً من معيار الكفاءة في بعض المواقع المحيطة بمركز القرار.

سلطة محدودة الإمكانات

يرى الباحث أن التحدي الأساسي في سوريا اليوم ليس بناء ديمقراطية فورية، بل تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي. ويعتبر أن الحكومة الجديدة تواجه تحديات هائلة تشمل إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة والاقتصاد، والتعامل مع ملايين النازحين، ومواجهة تنظيم داعش.

كما يشير إلى أن سوريا تحتاج إلى نحو 200 مليار دولار لإعادة الإعمار، في ظل استمرار العقوبات وضعف الاستثمارات الخارجية، بينما لا تزال المساعدات المالية الموعودة أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

هل يمكن الوثوق بأحمد الشرع؟

يخلص الباحث الفرنسي إلى أن أحمد الشرع أظهر قدرة سياسية وبراغماتية تفوق ما كان متوقعاً من شخص يحمل خلفية جهادية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الاعتدال الذي يظهره حالياً قد يكون خياراً تكتيكياً أكثر منه تحولاً نهائياً.

ويحذر ميشيرون من أن القاعدة التي يستند إليها الشرع تشكلت في بيئة سلفية جهادية، معتبراً أن ذلك يجعل مسار التحولات الحالية موضع اختبار مستمر. ورغم إقراره بقدرة الشرع على المناورة السياسية والتفاوض، فإنه يرى أن من المبكر اعتبار الاعتدال الحالي تحولاً فكرياً نهائياً، مرجحاً أن يكون خياراً براغماتياً فرضته الظروف السياسية والاقتصادية والإقليمية.

ويرى الباحث أن فرنسا محقة في الانفتاح على دمشق والتواصل مع قيادتها الجديدة، لكن عليها أن تبقي حذرها قائماً وأن تراقب عن كثب مسار السلطة الجديدة وطبيعة محيطها السياسي والأمني.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى