تعيينات الشرع الأمـ ـنية… إعادة هيكلة للدولة أم إعادة إنتاج لمركزية السلطة؟

أثارت التعيينات الأمـ ـنـ ـية الأخيرة التي أجراها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمـ ـنـ ـية، بعدما شملت إعادة تشكيل هـ ـرم المؤسسة الأمـ ـنـ ـية وتوحيد عدد من الملفات الحساسة تحت قيادة واحدة. وبينما تقدم الحكومة هذه الخطوة باعتبارها جزءاً من بناء مؤسسات الدولة وإنهاء حالة التشـ ـتت التي رافقت المرحلة الانتقالية، يرى منتقدون أن ما يجري يعكس توجهاً متزايداً نحو تركيز القرار الأمـ ـني والسياسي بيد الرئيس ودائرة ضيقة من المقربين، في نموذج يثير مقارنات مع آليات الحكم التي اتبعها نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وإن اختلفت الظروف السياسية والسياقات التاريخية.
إعادة هندسة المؤسسة الأمنية
وأعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع سلسلة تعيينات أمنية شملت مناصب قيادية في أجهزة الأمن، كان أبرزها تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بقيادة “مكتب الأمن الوطني” مع احتفاظه بمنصبه الوزاري، في خطوة أنهت عملياً الفصل بين إدارة الأمن الداخلي والتنسيق الاستخباراتي.
وبحسب قراءات عدد من الباحثين، تهدف هذه الخطوة إلى إنشاء مركز موحد لاتخاذ القرار الأمني، بحيث يصبح وزير الداخلية المرجعية الأساسية للأجهزة الأمنية المختلفة، بينما تتولى شخصيات أخرى تنفيذ المهام الميدانية ضمن هيكل تنظيمي موحد يخضع مباشرة لرئاسة الجمهورية.
ويرى مؤيدو هذه الهيكلة أنها تستجيب لحاجة الدولة إلى تجاوز حالة تعدد الأجهزة التي نشأت بعد سقوط النظام السابق، وتوحيد القرار الأمني في مواجهة التحديات الداخلية.
دوافع داخلية وخارجية
وتزامنت التعيينات مع ظروف أمنية وسياسية حساسة، أبرزها التفجيرات التي شهدتها دمشق، وعمليات ضبط شحنات أسلحة على الحدود، إضافة إلى الضغوط الدولية الرامية إلى إصلاح القطاع الأمني.
وتشير التقديرات إلى أن الحكومة تسعى أيضاً إلى إرسال رسائل طمأنة للدول الغربية والمؤسسات المالية والمستثمرين بأن سوريا تمتلك جهازاً أمنياً أكثر تنظيماً وقدرة على فرض الاستقرار، وهو ما تعتبره دمشق شرطاً أساسياً لدفع عجلة إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات.
كما جاءت هذه التغييرات بعد الزيارة التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، والتي اعتُبرت محطة مهمة في مسار الانفتاح الدولي على الحكومة السورية الجديدة.
هل تتجه السلطة نحو المركزية؟
ورغم التبريرات الرسمية، يثير تركيز الملفات الأمنية في يد شخصية واحدة تساؤلات حول طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل في سوريا الجديدة.
فبدلاً من توزيع الصلاحيات بين مؤسسات مستقلة تخضع لرقابة قانونية وتشريعية، أصبحت أبرز الأجهزة الأمنية تعمل ضمن هيكل واحد مرتبط مباشرة بالرئيس ووزير الداخلية.
ويرى منتقدون أن هذا النمط يعيد إنتاج مفهوم “مركز القرار الواحد”، الذي يمنح دائرة ضيقة قدرة واسعة على التحكم بالمؤسسات الأمنية، وهو ما قد يضعف آليات الرقابة المؤسسية ويحد من استقلالية الأجهزة.
مقارنة مع نموذج بشار الأسد
وتعتمد المقارنة مع النظام السابق على طبيعة توزيع السلطة، لا على افتراض التطابق بين المرحلتين.
ففي عهد بشار الأسد، تركزت السلطة الأمنية والسياسية بصورة كبيرة داخل مؤسسة الرئاسة، فيما لعبت الأجهزة الأمنية دوراً محورياً في إدارة الدولة، وكانت ترتبط مباشرة بالرئيس عبر شبكة من القيادات الأمنية والعسكرية الموالية.
أما اليوم، فيرى بعض المحللين أن التعيينات الأخيرة تشير إلى اتجاه مشابه من حيث تعزيز مركزية القرار، إذ تُجمع ملفات الأمن الداخلي والاستخبارات والتنسيق الأمني تحت قيادة موحدة ترتبط مباشرة بالرئاسة.
وفي المقابل، يشير آخرون إلى وجود اختلافات، أبرزها أن الهيكلية الحالية تُقدَّم ضمن إطار قانوني وإداري جديد، وفي سياق مرحلة انتقالية تختلف عن النظام السابق، ما يجعل الحكم على نتائجها مرتبطاً بكيفية تطبيقها ووجود آليات للمساءلة والرقابة.
بين بناء الدولة ومخاطر احتكار القرار
ويرى مؤيدو التعديلات أن توحيد القيادة الأمنية يساهم في تحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية. وتسريع الاستجابة للتهديدات الأمنية. وتقليل التداخل في الصلاحيات. وتوفير بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمارات. ودعم بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب.
وفي المقابل، يحذر منتقدون من أن غياب التوازن المؤسسي قد يؤدي إلى تركيز القرار الأمني في دائرة محدودة. وإضعاف استقلالية المؤسسات. وتراجع الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية. وتحويل الإصلاح المؤسسي إلى إعادة إنتاج لنمط الحكم المركزي.
الضغوط الدولية والإصلاح الأمني
وترى العواصم الغربية أن إصلاح القطاع الأمني يمثل شرطاً أساسياً لأي انفتاح سياسي أو اقتصادي على دمشق. وتطالب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بوجود مؤسسات أمنية تعمل ضمن إطار قانوني واضح، وتخضع للمساءلة، بعيداً عن هيمنة الفصائل أو الشخصيات النافذة. لذلك، ستُقاس فعالية التعديلات الحالية ليس فقط بقدرتها على تحقيق الأمن، بل أيضاً بمدى التزامها بمبادئ الشفافية والفصل بين السلطات.
وتمثل التعيينات الأمنية الأخيرة إحدى أبرز خطوات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة السورية في المرحلة الانتقالية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل النظام السياسي وآليات إدارة السلطة. فبين من يراها ضرورة لتوحيد القرار الأمني وتعزيز الاستقرار، ومن يعتبرها مؤشراً على عودة المركزية وتركيز النفوذ في يد الرئيس ودائرة محدودة من المسؤولين، يبقى التقييم النهائي مرهوناً بمدى تطور المؤسسات الرقابية، واحترام سيادة القانون، وضمان ألا تتحول إعادة الهيكلة إلى احتكار دائم للسلطة، وهو الدرس الذي استخلصه كثير من السوريين من تجربة العقود السابقة.



